يُقال «الجار قبل الدار»، وفي خضم هذه الحياة المتسارعة، لم يعد الجار يعرف جاره بالجنب الذي لا يفصله عنه سوى حائط لا يتجاوز سمكه بضع سنتميترات، ولو قامت قيامة أحدهما، لم يدر بالآخر، وإن علم بذلك تجاهل، ذلك وقال «فخّار يكسّر بعضه»، ليس لي دخل بجاري ولا غيره «اللهم أسألك نفسي»، وما إلى هنالك من المفاهيم الغريبة على مجتمعنا التي تكرّس الأنانية، والهروبية، كثقافة جديدة لعصر جديد، نرسخها في أبنائنا، أو نترك الحبل على الغارب لهم في ممارسة تصرفات وأفعال، تجعل المجتمع عالماً من الصراع على كل شيء، مفككاً، تحت شعارات زائفة محوّرة عن معناها الصحيح، مثل «حرية الفرد»، والديمقراطية، و»الاستقلالية»و.... إلخ. ونظراً لتسارع إيقاع الحياة لم يعد أبناء البيت الواحد ينتبهون لبعضهم بعضاً، الكل يدور في دوامة الحياة اليومية التي كادت تسلبنا كل ما نملكه من أخلاق نبيلة وعادات أصيلة، بل أكثر من هذا أن «الأنانية» أصبحت ثقافة أبنائنا، ورحم الله أيام زمان حين كان الناس يعرفون جيرانهم، بل أبناء حيّهم كلهم، يتعاونون ويؤازرون بعضهم، ويتقاسمون الخبز والفرح والحزن، وما أصعبه وأشده من يوم حين ينتقل جار من بيته إلى بيت آخر! باع أبو الجهم العدوي داره، وكان في جوار سعيد بن العاص، بمائة ألف درهم. فلما أحضرها المشتري قال له: هذا ثمن الدار، فأعطني ثمن الجوار، قال: أيُّ جوار؟ قال: جوار سعيد بن العاص، قال: وهل اشترى أحدٌ جواراً قط؟ قال: رُدَّ عليَّ داري، وخذ مالك. لا أدَعُ جوار رجل إن قعدت سأل عني، وإن رآني رحَّب بي، وإن غبتُ عنه حفظني، وإن شهدتُ عنده قرَّبني، وإن سألتُه قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني، وإن نابتني نائبة فرَّج عني. فبلغ ذلك سعيداً فبعث إليه مائة ألف درهم، وقال: هذا ثمن دارك، ودارك لك. كان كعب بن أمامة إذا جاور رجلاً قام له بما يصلحه، وحماه ممَّن يقصده، وإن هلك له شيء أخلفه عليه، وإن مات ودَّاه لأهله. فجاوره أبو دؤاد الإيادي، فزاره على العادة، فبالغ في إكرامه، فكانت العرب إذا حمدت جاراً قالت: جار كجار أبي دُؤاد. قال قيس بن زهير: أطـــوِّفُ ما أطــــــوِّفُ ثــــم آوي إلى جـــار كجــــــــار أبـــــي دؤادِ وقال لقمان: يا بنيَّ، حملتُ الحجارة والحديد فلم أرَ أثقل من جار السوء! ومن أدعيتهم: اللهم إني أعوذ بك من مال يكون عليَّ فتنة، ومن ولد يكون عليَّ كلّاً، ومن حيلةٍ تُقرِّب الشيب، ومن جار سوءٍ تراني عيناه وترعاني أذناه، إن رأى خيراً دفنه، وإن سمع شراً طارَ بِهِ. وما أجمل ما قاله أبو تمام في الجار حين اختار الجار قبل الدار: بوَّأتُ رحـلي في المـــرادِ المقبـــلِ فرَتَعْتُ في إثر الغَمـــامِ المُســـبَلِ منْ مبلغٌ أفنــاءَ يَعْـــــربَ كلَّهــــا إني ابتنيــتُ الجار قبـــل المنــزلِ وأَخَذتُ بالطـولِ الذي لـم يَنْصَرِمْ ثِنْيـــَاهُ والعَقـْـدِ الــذي لَمْ يُحْلَـلِ وأجــلّ منْ قُــسٍّ إذا اســتنطقتهُ رَأْياً وأَلْطـــَفَ في الأُمــُورِ وأَجــْزَلِ شــَرْخٌ مـنِ الشَـرَفِ المُنِيـفِ يَهُزُّه هزَّ الصفيحـة ِ شـــرْخُ عمْرٍ مُقبــلِ كـمْ أدَّتْ الأيـامُ من حَـدَثٍ كَفَـتْ أيامُــهُ حـــدثَ الزمــانِ المعضِــلِ لِلمَحمَـلِ يَكْشِفُـــهُ ولَمْ يَبْعَــلْ بـِهِ والثقلُ يحملـــُه وليــس بمُثقـــلِ والخَطْـــبُ أُمَّـتْ منـكَ أُمُّ دِماغِـهِ بالقُلَّـبِ الماضــي الجِنـــانِ الحُوَّلِ