صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دبابيس

من المؤسف حقاً أن تتصف أغلب ردود الفعل عندنا على قضية الرسوم المسيئة لأعظم خلق الله، محمد صلى الله عليه وسلم، بالغوغائية تارة، وبالعشوائية تارة أخرى، وبشيء من التخبط وعدم التعقل تارة ثالثة·
أقول هذا الكلام، وبين يدي عدد من البيانات والمقالات والشعارات التي ظهرت على شبكات الإنترنت، وفي بعض وسائل الإعلام العربية وفي التظاهرات التي شهدتها مدن وعواصم عربية وإسلامية، والتي تهاجم الدنمارك والدنماركيين وكذلك النرويج والنرويجيين بأقذع الألفاظ وأبشع الصفات، على الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها صحيفة 'جلاندز بوسطن' (GLANDS POSTON) الدانماركية، وهذه خطيئة جسيمة كبرى·
النرويج دولة صديقة، ومنذ الأيام الأولى لاندلاع شرارة الأزمة، حرصت هذه الدولة الصديقة على الاعتذار عن نشر الرسوم المسيئة، وقالت كلاما طيبا في الإسلام والمسلمين، رافضة أي مساس بالدين الإسلامي، أو بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم·· ومن الظلم أن نشمل الشعب النرويجي أو الشعب الدنماركي بأكمله، ونحكم عليهما حكما قاسيا ونتهمهما بالإساءة، في حين أن من ارتكب تلك الجريمة الحمقاء هو فرد أو أفراد حاقدون ويحملون في داخلهم أفكارا عنصرية·
إن الشعب الدنماركي قال رأيه بصراحة حين خرج في مظاهرة حاشدة، يقودها مواطنون دنماركيون عاديون، رافعين شعارا ضخما كتب عليه (WE ARE SORY) "نحن آسفون'·· وهذا اعتذار واضح، وإقرار بالأسف وقبول بتحمل مسؤولية الخطأ الذي ارتكبه شخص عنصري حاقد، ومن وقف وراءه وساهم في نشر تلك الرسوم القبيحة·· أما بالنسبة للنرويج فإن من الغبن أن نحمل شعبا بأسره مسؤولية جريمة ارتكبها شخص، خاصة وأن هذه الدولة قدمت اعتذارا رسميا عما بدر من الصحيفة التي أعادت نشر الرسوم المسيئة·· فلماذا نحاسب شعبا بأكمله على جريمة ارتكبها فرد؟·· ولماذا نحمل شعوبا في دول عديدة مسؤولية جريمة لم ترتكبها، بل رفضتها وما زالت ترفضها قولا وفعلا؟
منذ يومين قرأت بيانا صادرا من إحدى الجهات التي تعنى بشؤون الفكر عندنا، يتهم 'الصحافة الدنماركية' و'الدنماركيين' و'النرويجيين'، وكأن كل الشعوب والصحافة الاسكندنافية مسؤولة عما ارتكبه صاحب فكر شاذ·· وهذا خطأ كبير، ورد فعل ينقصه الكثير من الذكاء·· فهذه شعوب صديقة لنا وعلينا كسبها وليس معاداتها·
ولقد اشتكينا نحن العرب والمسلمين لسنوات طويلة، وعقب الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر ،2001 من اعتبارنا جميعا مسؤولين عن تلك الأعمال الإجرامية التي ارتكبتها قلة منبوذة ومرفوضة من بيننا·· ولست أقارن هنا بين تلك الهجمات الإرهابية ونشر الرسوم الكارتونية المسيئة للرسول، ولكنني أقول ان اتهام شعب بأكمله، مثل الشعب الدنماركي أو الشعب النرويجي، بسبب تصرفات فرد شاذ أو قلة من الأفراد العنصريين، هو أمر مشابه لما حدث للعرب والمسلمين عقب أحداث 11 سبتمبر، وعدم الاعتراف بذلك رياء من جانبنا·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء