صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

بعض من سارا وأشيائها


كيف يمكن أن تتراقص إسبانيا في عينيها، بفرحها وشغبها وحزنها ووقارها الديني؟
كيف يمكن أن تختصر مسافات بلد·· ارتفاع جبالها وانحدار سهولها وعمق بحورها في تضاريس سارا الأسبانية؟
تبدو الأمور قاسية حين تهجم عليك الأحداث مرة واحدة، كذلك حين تفاجئك سارا بلهوها وحديثها، حين تلاعب هذا الرأس المصطنع الجدية الفرنسية، هي إسبانيا، وإسبانيا·· سارا·· لك أن تمضي كموظف أنهى الجامعة بتفوق، هنأه عليها أهله والأقربون، أو تقف لتداعب قطة جبلية، نسيت ما أوصتها به جدتها العجوز المتدينة·
سارا بخفة رقصة الفلامنجو وشيطنة بنات الريف، حديثها المتراكض الذي يشبه الثرثرة، الضحكة التي تشبه ضحكة صبية لن تكبر أبداً، تخاف أن تجرح بها حنجرتها، دخولها الفصل كطائر مبلول، ترتجف شفتاها برداً وسلاماً والشعر الذي يشبه ماء العنب، تزيده قطرات المطر إشراقه ولمعة من عافية، العيون التي اكتحلت بمرور العرب الفاتحين، والأسنان التي تشبه حب الرمان·
كيف تفاجئك الأمور جملة واحدة؟ هي سارا ساقتها ريح باردة، أوصلتها مرفأ القلب وقالت: هيّت لك·· قف إنها المحرمة عليك منذ رحيل آخر الجدود وحتى ظهور بنات نعش في سمائك·· قف إنها النار التي تصطلي في داخلك·· إنها المحرقة·· هي نار لا باركتها يد الصالحين ولا أشعلتها أحجار الأيام الصوان·· قف إنها الموقدة·
لكن إسبانيا عشقك الذي تجدده الأيام والأحداث وساعة النشوة الكبرى، كيف يتوالد الفرسان العرب فيك ساعة أن تنضح الشعر المحنى بعنب إسبانيا؟ أو ساعة أن تدفئ يديها المشتبكتين خلف رأسها، إنها ساعة استمطار اللعنات واستحضار الهزائم، كيف نعد هزائمنا الأخيرة؟ كيف تفلت من أيدينا عيون كهذه؟ كيف نغفل في غمرة اقتتالنا ظلا ظليلاً كالذي تخلقه أشجار إسبانيا·· نحنّ للشمس، نهبها جلودنا كي تتشفى ونشفى·· سارا يا عيوناً نسيناها مخبأة في أركان الأندلس·· هي الحل وهي الحرم، كيف تقتلنا العيون ولا تحيي قتلانا؟ هزائمنا كيف نعلنها؟
قد يجن العربي من أجلها، قد يتنسك من أجلها، هي العيون جزء من فواجعنا·
سارا·· لو تدركين أن الفصل يغدو بارداً ويتيماً إذا ما تأخرت بك القدم، فكيف إذا ما خلى كرسيك الملاصق خد الجدار، لقد غابت شمسنا منذ سنين عن شواطئكم·· عن شواطئ كانت لنا، فكيف لا تغيب سارا؟!
سارا·· يا لون الخشب المبتل ورائحة احتراق حطب المواقد·· كيف الشاعر يكون فارساً؟ كيف الفارس يصبح شاعراً؟ هي عيونك، حين تكون للعيون نشوة وخمرة، كيف نظل نحارب العيون ونحارب عن العيون؟
سارا·· يا زهرة بلد الوليد التي تعطرت من مسك خيولنا، التي رقصت على وميض سيوفنا، أين الوليد من بلده؟ وأين سارا؟ فداً لسارا الغواني، تلك التي كانت تدفئنا بالضحكة والثرثرة الحلوة والعيون·
لقد غادرنا الكنار تاركاً لنا الريح تلعب بأجنحتنا، تاركاً لشتاء باريس الرماد والنار، مخلفاً مكاناً شاغراً، إلا في الذاكرة·
فهل يعود لشتاء باريس دفئه؟ أو طويل شتاء باريس هذا·· أم يطول؟!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء