صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الحلاقون وحكاياتهم··

ü لو أن كل حلاق سجل يومياته، وطرائف زبائنه، وما يمر على مقصه من ناس دائمين أو عابرين، لو أنه ينصت أكثر مما يثرثر، ولا يتقاعس عن تسجيل الملاحظات وتفاصيل البشر وخصائصهم، لكان عدد كتّاب القصة القصيرة أكثر من الحلاقين، طرأت عليّ هذه الفكرة حين أبصرت لافتة تجارية في أبو ظبي مكتوب عليها صالون القصة القصيرة، فاستفزتني التسمية، فخلته صالوناً أدبياً، ولو لا أنني قرأته بالإنجليزية لظل اللبس قائماً، ولو لا أنني شكّلت حروفه العربية، لتستقيم لغوياً، لبقيت المسألة حائرة بين صالون القصة القصيرة أو حلاق القَصّة القصيرة·
ü واحد من هؤلاء الحلاقين كان عاقلاً واعياً، فكتب يوميات زمنه ودوّن تفاصيل حياة مدينته في سنواتها الغابرة، لقد قصّ ذلك الحلاق سيرة مدينة دمشق وما كان يعتلج فيها من أمور وأحداث، بدءاً من غلاء أثمان الزيت والحنطة وانتهاء بمظاهرات ضد الوالي وانحباس المطر وتصاهر عائلتين بعد حالات من القتل والثأر، لقد سجل ذلك الحلاق يوميات دمشق التي كانت في ذلك الوقت لا تعني أحداً غيره - وربما- كان ينعته زملاء المهنة، بأنه حلاق هامل، يترك صنعته التي تدّر عليه الرزق، ليقطع رزقه بيده لتدركه حرفة الأدب، اليوم·· يوميات ذلك الحلاق أصبحت مصدراً للباحثين والدارسين لكل الحياة الدمشقية الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية·
ü كثير من حلاقي الملوك والأمراء والرؤساء سجلوا لحظات حياتهم مع تلك الشخصيات التاريخية، وكيف كانوا يسلمون رقابهم العزيزة التي كانت صعبة المنال، ورؤوسهم الغالية والعالية التي ترفض الخضوع، دون خوف أو وجل، وكانت تلك الكتابات عميقة وحميمية لعلاقة الحلاقين البسيطة وتفاصيلها الصغيرة مع أناس عظماء، كبار·
ü هل يتشابه حلاقو الرجال مع حلاقي النساء؟ شخصياً لا أعتقد بذلك، أقلها أن المرأة لن تسمح للمزين بالثرثرة وتتنازل عن حقها الطبيعي والمكتسب·
ü حين أزور المدن القديمة وأحياءها الشعبية أتوقف طويلاً أمام دكاكين الحلاقين البسيطة، الرجل الجالس والمراقب على كرسي صغير أمام محله بالعمر المتقدم، بقايا شعر أبيض أو متصاب في كل مكان، الأدوات القديمة، الصابون البلدي والعطر الرخيص، الزبائن الذين يجترون ذكريات منسية، صور بالأبيض والأسود معلقة على جدران ترشح بالرطوبة ومقشرة الألوان، الكرسي الوحيد العجوز، تأمل الحلاق القديم في شعور شباب اليوم وحنقه على قصاتهم الغريبة، سخطه على التطور الذي هجم على صنعته بسرعة لم يقدر على اللحاق به، قفله لباب دكانه في ساعة مبكرة قبل العشاء·
ü لماذا لا يغير الناس الحلاقين بسرعة؟ هل هي العادة؟ هل هي الأسرار التي لا يريد الإنسان منا أن يبعثرها كل يوم في مكان؟ هل هو القرب أو الرخص؟ شخصياً·· أعتقد أن الحلاق بمجرد أن ترتاح له، فجأة يتحول إلى صديق·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء