صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

دبابيس

في عام ،1971 وقع حادث تصادم مرعب بين طائرة مقاتلة يابانية من طراز (إف-5) وطائرة مدنية يابانية أيضا من طراز (بوينج-727) في سماء طوكيو، أدى إلى مقتل 162 شخصا·· بعد الحادث انتحر رئيس إدارة الطيران المدني ومدير إدارة الملاحة الجوية ورئيس إدارة الصيانة في الخطوط الجوية اليابانية، لأنهم اعتبروا أنفسهم مسؤولين عن الحادث، متحملين اللوم والمسؤولية··
في العام 1991 وقع أسوأ حادث قطار في اليابان بمقاطعة 'شيجا'، وقتل فيه 42 راكبا، وأصيب أكثر من 600 آخرين··· ومرة أخرى انتحر رئيس هيئة السكك الحديدية وأحد المسؤولين عن برج المراقبة وتوجيه القطارات في المنطقة التي وقع فيها الحادث، لأنهما اعتبرا نفسيهما مسؤولين عن الحادث وعن الأرواح التي أزهقت بسببه·
وتتعدد حوادث انتحار المسؤولين اليابانيين المشهورين بأنهم يعاقبون أنفسهم بالانتحار لشعورهم بالذنب وتحمل المسؤولية·· ووقعت حوادث مماثلة كثيرة لوزراء ورؤساء شركات تجارية ضخمة، نتيجة الفشل والإخفاق أو بسبب فضائح مالية في إداراتهم، فاعتبروا أنفسهم مسؤولين، ووجدوا أن أفضل عقوبة يستحقونها لتحمل هذه المسؤولية، هي الانتحار!
ولست أدافع عن الانتحار لا سمح الله، حيث تحرمه كل الأديان والشرائع السماوية·· ولكنني أشير إلى أن معظم علماء النفس والخبراء الذين درسوا حالات انتحار المسؤولين اليابانيين، اعتبروها 'لحظة مواجهة المسؤولية'·· فالذين انتحروا لم يشتركوا في الجرائم والحوادث، لا بصورة مباشرة ولا بصورة غير مباشرة، ولكنهم كانوا مسؤولين عن قطاعات وقعت فيها تلك الحوادث أو الفضائح، ومع ذلك فضلوا معاقبة أنفسهم متحملين المسؤولية، ومن ثم الانتحار، لأن الواحد منهم اعتبر نفسه غير كفء لشغل أي منصب أو تحمل أية مسؤولية!··
وفي عالمنا العربي المنكوب، تقع حوادث وفواجع يندى لها جبين الإنسانية، وكوارث بشرية تكون ضحيتها آلاف الأرواح، وتضيع بسببها مليارات الدولارات من أقوات الفقراء والشعوب المغلوبة على أمرها·· ويتم التحقيق في تلك الكوارث، وتتكشف الحقائق، ويتم التعرف على المسؤول المباشر عنها·· ولكن لا يحرك ذلك ساكناً في نفس أي مسؤول لكي يقول ولو مرة واحدة: 'أنا المسؤول·· عاقبوني، أو سأعاقب نفسي··'·· وليته يعاقب نفسه على الطريقة اليابانية!
وخلال الأسبوع الماضي تكشفت تفاصيل جريمتين بشعتين، أدت الأولى إلى غرق حوالي ألف مواطن عربي بريء في عرض البحر، نتيجة سوء الإدارة وسوء التصرف والفشل الذريع في التعامل مع أي شيء ومع كل شيء·· والثانية أدت إلى ضياع ما يقرب من 700 مليون دولار من قوت وأموال الشعب الفلسطيني المسكين الذي يئن تحت وطأة القهر والحرمان نتيجة فساد الذمم وخرابها·· وحتى الآن لم يحرك أحد ساكنا··
يبدو أن المسؤولين في العالم المتخلف بحاجة لدروس يابانية في تحمل المسؤولية!·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء