قبل 5 أيام وحين كنت أستعد لمغادرة الدولة برفقة بعثة هيئة الهلال الأحمر المتجهة إلى هايتي.. سألني أحد الأصدقاء: ما شأننا بهايتي التي تقع في منطقة بعيدة جدا عند البحر الكاريبي، وتفصلنا عنها عشرات الآلاف من الكيلومترات؟ ولماذا تقدم جهات في الدولة الدعم لهذه البلاد التي لا تحتاج شيئا؟.. فهي قريبة من بلدان كبرى مثل الولايات المتحدة وكندا وأوروبا.. عندها لم أجد جوابا شافيا للسؤال.. لكنني وجدته خلال الأيام الخمسة الماضية. اليوم وأنا لا أزال هنا.. في جمهورية الدومينيكان المتاخمة لهايتي التي ضربها أعنف زلزال في تاريخ الأمم المتحدة.. أستطيع أن أقول إن رؤية ما حل بهايتي على الأرض تختلف تماما عن المشاهدة عبر التلفاز وأنا أجلس على كنبة مريحة.. رؤية الأطفال والنساء والرجال وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة في المستشفيات.. تختلف كلياً عن قراءة خبر يقول إن عدد الضحايا قارب 250 ألف شخص.. فلا أزيد عن القول: إنه «رقم» كبير.. سماع أنين المصابين الذين فقدوا أطرافا في أجسادهم وهم يصرخون بأعلى الأصوات.. يختلف تماما عن سماع نفس الأنين عبر التلفاز وأنا أمسك بجهاز «الريموت كونترول» لأخفض الصوت المزعج.. وبعد لحظات أنتقل لقنوات أخرى تمنحني التسلية. الدمار الذي لحق بالبلاد وبأهلها البسطاء لا يمكن وصفه.. فالغالبية العظمى من البيوت والمباني، سقطت على أهلها في ثوان سريعة.. الأدهى من ذلك أن هذه المباني سقطت على أجساد البشر بينما هي مستغرقة في النوم.. أو توشك على النوم. واليوم ورغم تدخل أغلب القوى العالمية التي تدعي حرصها على سلامة الإنسان.. لا يبدو أن هناك تفعيلا حقيقيا لهذه الجهود.. لا يبدو أن كل ما نسمعه عن الدعم العالمي.. هو دعم حقيقي يهدف لحماية الإنسان وحفظ كرامته.. مواد الإغاثة متكدسة.. كثير منها لا تحتاجها هايتي وكثير منها لا يتم إيصاله للمحتاجين. التنسيق العالمي يكاد يكون غائبا.. روائح المصالح السياسية تفوح من هنا وهناك. اليوم أستطيع أن أقول لهيئات وجهات الإغاثة والعمل الخيري الإماراتية التي اتجهت إلى هناك.. بارك الله في جهودكم.. فالإخلاص والبحث عن أفضل الوسائل لمساعدة سكان هايتي يبدو واضحا في تحركاتكم. التحقق من التفاصيل والبحث عن الاحتياجات الحقيقية وعدم الانسياق وراء ما يقال من هنا وهناك.. سمة تميزكم عن كثير من جهات الإغاثة بالعالم.. وإلى أن تنتهي مأساة هايتي.. كان الله في عون الآلاف من السكان الضعفاء. حسين الحمادي h ssain.alhamadi@admedia.ae