صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

مقتل.. مقتل.. مقتل

مقتل فلسطيني، مقتل عراقي، مقتل صومالي، مقتل يمني، إلى آخر القائمة.. ضجت الساحة العربية بالقتلى والجرحى، وامتلأت القلوب بأحزان صارت جزءاً من حياة الإنسان الذي يعيش على الأرض المجبولة بحروب السياسيين وطواحينهم التي لا تكف ولا تنتهي عن طحن المصير، وإبادة الأمل بمستقبل قد يهدي بصيصاً من نور.. منذ أن فتحنا أعيننا، ونحن نسمع أصوات المذيعين في إذاعة لندن، ومونت كارلو وهم ينقلون عنا وإلينا أخبارنا، يخبروننا بأن الموت اللئيم استوطن، واستحسن، وتمكن وصار جزءاً من الحكايات اليومية.
اليوم لا تحتاج الجدات أن يحكين القصص الخرافية للأطفال، ولا يحتجن إلى تضخيم صورة الوحش في عيون الصغار، فالوحوش أضحت بضخامة الجغرافيا ورداءة التاريخ، ولا تحتاج الجدات أن يعصرن أذهانهن لكي يتذكرن تفاصيل حوادث ماضية، فالحاضر يزخر بالأحداث الدامية والمخزية، ما يوفر لهن الجهد ويعفيهن من التعب.. تاريخ العرب المعاصر لن يكتب بالدم، بل سينقش بجثث الموتى، ويحفر بعظام الذين ذهبوا ضحايا للبطش والاغتيال، ومعاقل الموت.. اليوم التاريخ لن يحتاج إلى ذاكرة قوية لأن الكاميرات الديجيتال تقدم لقارئ التاريخ ومتقصي ذراته أدق التفاصيل، وبالألوان الزاهية، حيث تظهر الدم القاني، وهو يهرق من أجساد الذين ماتوا ظلماً وعدواناً، وعلى حساب فواتير سياسية بغيضة، ما جاءت إلا بالشعارات، وما أجادت إلا في صنع الخوف ومزيد من التهتك والتفكك، وذهاب الأوطان إلى أقصى درجات الذل والهوان.
مقتل إنسان في بلادنا العربية صار أسهل وأهون من قتل أرنب بري، الأمر الذي يجعل من نشرات الأخبار السياسية مثاراً للملل والسأم، وأحياناً التقزز والاشمئزاز، لأن الحديث عن أخبار القتل لم يعد خبراً، ولم يعد أمراً ينبه عقل الإنسان إلى مقتل إنسان آخر في مكان آخر، فالقتل الذي صار عادة يومية، وإسالة الدماء التي أصبحت كإسالة عوادم السيارات، ونواح الثكالى الأشبه بدموع الممثلين على خشبات المسرح، ووجود الأطفال الصغار عراة حفاة وهم يبحثون في المزابل عن رغيف الحياة، أشبه بلعبة قديمة عندنا تسمى “العظيم”.. وظهور رجل مسن يرفسه جندي أحمق، أو ضياع فتاة في الشوارع تبحث عن ذويها الذين قضوا إثر انفجار مفخخة.. لكن تلك المشاهد لا تعدو أكثر من صور عادية لا تثير في الوجدان المخرب والمشاعر المدمية، والعقول المخدرة، برائحة الدماء المخثرة.
مقتل.. مقتل.. هي كلمة قتلت الإحساس فيها، واغتالت الدهشة وملأت وعاء العقل بمزيد من التلبد والموت العاطفي، وعدم القدرة على مواكبة ما يحدث من أعاصير وفيضانات دموية من صناعة البشر.. لم يعد العقل البشري يستوعب هذا الكم الهائل من كلمات القتل، فالآلة الحاسبة قد امتلأت بالأرقام اللانهائية.


marafea@emi.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

الذائقة

قبل يوم

نظرية الحب

قبل يومين

الوعي بالحرية

قبل 3 أيام

لسنا أحراراً

قبل 4 أيام

تصريحات مضللة

قبل 5 أيام

سن اليأس

قبل أسبوع
كتاب وآراء