صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

بين الشفتين والأذن

في المراحل الأولى من العمر، عندما كنا نسر شيئا لبعضنا البعض، نحكي مباشرة بتقريب الشفتين من الأذن ونهمس كي لا يسمع السر الآخرون، ومع توالي الزمان توسعت المسافة بين الأذن والشفة، ففي طفولتنا طبقنا شيئا من دروس العلوم حول الاتصال، حيث كنا نربط علبتي كبريت بـ”هدب” (خيط خياطة) وكجزء من لعبتنا اليومية كنا نتحدث عبر العلبة والـ “هدب” فرحين بهذه التجربة التي نجحت، ومن ثم تطور الأمر الى خيط صيد وعلبة صغيرة من الصفيح. وفي مطلع السبعينيات بدأ ينتشر الهاتف المنزلي ليدخل كل البيوت في البلاد، فأصبحت المسافة تتسع اكثر فأكثر بين الشفة والأذن، كما لم يعد للحذر من طبقة الصوت ضرورة.. وشيئا فشيئا بدأت تتسع دائرة الاتصال وسبل الاتصال فدخل النداء الآلي (البليب) وتبعته الهواتف النقالة الانيس والجوال والجفير، ثم انفتح فضاء الاتصال مع خدمة الـ “جي اس ام” لتتغير صيغة الاتصال تماما عندنا واسترسل الصوت إلى خارج الحدود، ولم تعد المسافة التي تفصل بين الشفة والاذن تعرف لها مستقراً، مسافة شملت البحار والقارات، وعبرها انتقل الكلام عبر الاثير. ولم يتوقف تجاوز التواصل فقط عند قرب الشفة للأذن بل تعداه، حيث الرسائل النصية التي ابتكر من أجلها الكلام والنكت والأخبار، عبرها كتب العشاق كلاما جميلا، وعبرها تواصل الاصدقاء والأهل وعبرها اختصم الرفاق والازواج، وعبرها تواصلوا وتصالحوا. وكذلك كانت الصور تنتقل وتنقل اللحظات كي لا تضيع في الزمن. فيما الإنترنت كان بوابة المعرفة الكبرى. وفي الزمن القريب دخل الـ “بلاك بيري” كزائر جديد لثقافة الاتصال لدينا. تبدل كبير احدثته وسائل الاتصال في حياتنا وحياة كل سكان الكرة الأرضية، ولكن مع كل أسف لم نكن نحن في عالمنا العربي فاعلين رئيسيين أو حتى ثانويين في ثورة الاتصال العالمية، حيث دورنا كان المتلقي لكل ما ينتجه الغرب من تكنولوجيا وبعض جيراننا الكبار من نمور القارة الآسيوية.. كنا وما زلنا نستهلك هذه التكنولوجيا بوعي احيانا وبلاوعي في احايين كثيرة. الشعوب سحرتها التقنيات الجديدة وحركت وغيرت في الكثير من مفاهيمها تجاه الحياة، نتيجة لانفتاح الفضاء بشكل خرافي على الآخر والاطلاع على تجاربه المختلفة، فمشهد الطفولة القديم انقرض وحلت محله طفولة جديدة، المراهقة أيضا تغيرت إلى درجة افزعت اصحاب العقول العتيقة ببدء تشكل جيل جديد مهووس بهذه التكنولوجيا التي غيرت حركة التفكير.. بعض الحكومات حاصرت هذه التكنولوجيا بالرقابة المستمرة والتعدي على خصوصيات شعوبها. ما يجب ان نفهمه من هذا الاختراق الضخم لتكنولوجيا الاتصال في عالمنا بانه لايمكن ان يتوقف، ولا يمكن لاحد ان يوقف تدفق المعلومات والاخبار في ظل هذا الفضاء التكنولوجي المفتوح والواسع، وأن الخوف غير المبرر يجب ان يكون على ما يمكن ان يحدث في الظلام، حيث لا عين ترى ولا أذن تسمع.. وما يمكن ان نضيفه من إيجابيات عالم الاتصال الجديد على شتى نواحي الحياة البشرية، فمن خلاله يمكن رصد الكثير من المتغيرات في السلوك الاجتماعي، حيث يمكن توجيهه وتصحيحه. saadjumah@hotmail.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

بين القوة والضعف

قبل 5 أيام

عن الأرض

قبل 3 أشهر

المكان.. والحب

قبل 4 أشهر

كي نشعّ نوراً

قبل 5 أشهر

الكلام

قبل 6 أشهر

انكسار الأمل

قبل 6 أشهر

متاهة الغربة

قبل 9 أشهر
كتاب وآراء