صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

التصعيد والمقاطعة


باسم الحرية المطلقة والتي تشذ عن القيم الحضارية والإنسانية النبيلة والمشتركة بين بني البشر، يمكننا أن نفعل ما نريد، ولولا هذه الضوابط الحضارية التي اختطها الإنسان عبر كثير من التجارب والحروب والطروحات الفلسفية ومدارسها، مغلباً الخير على الشر والأبيض على الأسود، لولا كل تلك الأمور، لظلت فئة من البشر تمجد الشر ضد الخير والكذب ضد الصدق والسرقة ضد العمل والقتل ضد التسامح·
إن ما أقدمت عليه الجريدة الدانماركية من نشر صور للرسول الكريم قبل 3 شهور، وكانت في رمضان لأول مرة، ومن ثم أعادت نشرها كلها في عيد الأضحى، هو جرح لمشاعر المسلمين كافة واعتداء على المقدس عندهم، ولعلكم تلاحظون التزامن مع المناسبات الدينية والمغزى منه، لقد تأخرنا في التحرك، ولكن أن تفعل شيئاً أخيراً، أفضل من أن لا تعمل أبداً·
لقد قاومت حكومة الدانمارك التصعيد الإعلامي والمقاطعة الشعبية والتحرك الدبلوماسي الضعيف، بمزيد من التعنت رافضة الاعتذار - الذي وإن جاء، فإنما جاء نتيجة لهذا التحرك، لا من أجل ذات الاعتبار- معتبرة في الوقت نفسه أن فعلة الصحيفة هي جزء من حرية التعبير الإعلامي والفني أو جزء تريد من خلاله الحكومة التضييق على المهاجرين من العرب والمسلمين الذين كثروا في الدول الإسكندنافية، ومحاولة إجبار البرلمان سن بعض القوانين التي يمكنها التشدد ضدهم وإجبارهم على الهجرة من جديد أو الذوبان في مجتمعاتهم·
إن الاستفزاز الدانماركي والأوروبي للمسلمين باسم الحرية والفن لا يرجى منه إلا مزيد من العداوة والشحناء والتباغض، ولو تركت الحضارة الإنسانية أمرها لغير الحكماء والعقلاء في تسيير أمور الحياة، لخربت وحلّ قانون الغاب الأول بدلاً من القوانين والتشريعات والأعراف الإنسانية القيّمة والنبيلة·
بين التصعيد والمقاطعة تظهر دائماً الفئات المستفيدة من الحالة، كل بطريقته، فالصهيونية ستدخل طرفاً ولو متستراً وستناصر الآخرين ضد المسلمين، والمسلمون المتطرفون سيجدونها سانحة، ويلقون في فعل الدانمارك ذريعة لتبرير ما يفعلون من عنف وإرهاب، والتجار المتطلعون من نصيب السوق سيركبون الموجة ويعلنون عن بضائعهم البديلة لبضائع الدانمارك ولو اضطروا أن يحلفوا بأغلظ الأيمان أن بضاعتهم إسلامية صافية وخالية من المصدر الأوروبي، فالزجاجة من باكستان والعصير من أندونيسيا وغطاء الزجاجة من صنع ماليزيا والوكيل سعودي، أما بعض البلدان التي تعاني من اضطرابات وقلاقل داخلية، فستترك للشعب لأول مرة، حرية الغضب والعصيان وتفجير شحنة التوتر والقلق التي يعاني منها المواطن على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والصحف ستستفيد هي الأخرى من الضجة الإعلامية، لكي تنشر الصور التي يتطلع كل فرد للاطلاع عليها، مستفيدة من البيع والإعلان ومستفيدة من الناحية الأدبية إن كانت تناصر الجانب الآخر، وتناصب العداء للعرب والمسلمين··

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء