صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

صمت الـ «بلاك بيري»

أعتقد أن الكثيرين سوف يهللون، ويُكبرون، ويزغردون لإلجام صوت “البلاك بيري”، الذي صال وجال بين النساء والرجال، والكبار والصغار حتى أصبح لعبة زمنية لمن يجدوا ما يلهون به، ويقضون أوقات فراغهم.. التقنيات الحديثة أحدثت تطوراً هائلاً في الاتصالات، كما في جميع الخدمات الأخرى، التي تهم الإنسان وتُعنى بشؤونه، واستطاع الناس من خلال هذه الأجهزة، أن يحققوا إنجازات ونجاحات واسعة في مجالات العمل، والخدمات الاجتماعية ولكن...؟
عندما يكون جهاز قيِّم ومهم وحساس، وذو جودة عالية، في أيدي من لا تمتد يداه إلا إلى النقاط السوداء، ويقضي زمنه، وهو زمن محدد بالنسبة لعمر الإنسان في نشر الرسائل المخزية، والمؤذية وإشاعة الأخبار السيئة، والفضائح المصطنعة، فإن هذا الجهاز الراقي يفقد صلاحيته، بل ويصير وبالاً، وعاراً، على المجتمع.
عندما يكون هذا الجهاز مجرد لعبة، بيد أم العيال، فتتواصل مع الصديقات بإرسال “المسجات” المغرضة، والأخبار المحرِّضة، وتسيء بها إلى صديقات اختلفت معهن، فحقدت عليهن، وأرادت أن تخرب بيوتهن.
عندما يقع هذا الجهاز بيد شخص يبدو أنه بالغ ناضج، لكن الإساءة تجري في عروقه كمجرى الدم في الجسد، فيتخذ من هذا الجهاز السحري وسيلة للتنفيس، وأداة هدم وقضم أجساد البشر وهم أحياء، والتباهي بجهاز لم تكن له يد في إنجاز، اللهم إلا أنه استلف من البنك أو أهداه أحد الأقارب، فصار يجلس ويتربع، ويدخل كامل وجهه في شاشة الجهاز، ويبدأ في القراءة أو الكتابة، وما يقرأه أسوأ مما يكتبه، وما يكتبه أشد فضائحية مما يقرأه، لكنه يبتسم، ثم يجلجل ضاحكاً، ويلتفت إلى مَنْ حوله، مبتهجاً وكأنه إسحاق نيوتن في اكتشافه المذهل للجاذبية.. عندما يكون الجهاز في يد مراهق، أرعن، أعاد السنة في الثانوية العامة، ولكن والده الكريم، كافأه بهذا الجهاز، كي لا يحس بالإحباط وحتى لا يكون أقل شأناً من أقرانه الذين حصدوا النسب العالية، ومن التحق بجامعات عريقة، خارج وداخل البلاد، ومنهم ينتظر الأنسب والمناسب لرغباته وطموحاته.. عندما يكون الأمر كذلك، فإن هذا المراهق، سوف يرفع من معنوياته بحق، وسوف يرفه عن نفسه بكل ما أوتي من طاقة ليخرج من الفشل الذريع الذي وقع فيه، لكن هذا التنفيس سيكون على حساب آخرين، ومصالح أناس لا ذنب لهم في فساده ومن أفسده.
عندما يكون الجهاز بيد مراهقة، استطاعت أن تستقل استقلالاً تاماً عن الأسئلة عاطفياً، وجسدياً، وانكفأت معززة مكرَّمة في غرفتها، ، وبيدها جهاز سحري، يمكن من خلاله أن تفجر كل ما لديها من طاقات كامنة، لأنها تملك جهازاً لم يحلم به أبوها ولا أمها.. نقول: أتمنى أن يعود “البلاك بيري”، ولكن بقوانين صارمة، وبأسس لا تسمح بـ “الخربطة” ولا تسمح باللعب في طمأنينة الناس والوطن.



marafea@emi.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء