صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

هل قتلوا شيخوخته؟!

الناس الذين يعرفون أبوظبي القديمة يعرفونه، والذين يعرفون أسواقها القديمة يعرفونه، والذين يتذكرون المكتبة الأهلية الثقافية يعرفونه، والذين يحبون الخير ويعرفون السماحة يعرفونه، ناصر الشرعبي·· أحد الوجوه التي عرفتها أبوظبي قبل أن تكون أبوظبي اليوم·
كان مغامراً باتجاه الأشياء الجميلة في الحياة، وقدر أن يكتب تفاصيل حياته بنفسه، فمنذ كان شاباً، بدأ تلك المغامرة بالتطوع فيما كان يعرف تاريخياً بجيش الإنقاذ لتحرير فلسطين، ثم سلك في الجندية فيما كان يعرف بجيش عدن، عمل في السعودية ثم في العين والبريمي، ثم ترك العسكرية ليعمل في التجارة، فكانت الكويت محطة، والمنطقة الشرقية في السعودية محطة، ثم عرفته مدن كثيرة طوال حياته، غير أنه أخيراً استقر في أبوظبي قبل 50 عاماً·
كوّن مكتبته الأولى في المدينة الناشئة، كانت محط توافد المتلهفين للقراءة والثقافة والأدب، كان يأوي إليها الساكنون والعابرون ومحبو المعرفة، وبعد أن استقرت تلك المكتبة بمحتوياتها الكثيرة والنادرة في ذاكرة الناس أعواماً طويلة، جاءها فجأة الحريق الذي التهم السوق القديم، فشعر الرجل يومها بأنه هو الذي احترق وذكرياته وشقاء العمر هو الذي ذهب، فبقي يجول في المدينة متذكراً تلك المكتبة الأولى·
ظل الرجل يأمل في تعويض ما لا يعوض، جاءت لجنة وتبعتها لجنة وغابت لجنة وتلتها أختها، وبعد زمن متعسر أقرّ له بالتعويض، لكنه تلاشى بين ثنايا الوعود و فألك طيب وأبشر بالخير وهكذا طالت الوعود وطالت مراجعته حتى يئس أن يعيد ولو جزءاً بسيطاً بسيط من تلك المكتبة أو يؤسس أخرى مكانها حتى أجبرته الأعوام الطويلة أن يتناسى أو ينسى ما كان في ذلك المكان·
بقي الرجل متقاعداً وشبه مراجع للدوائر والبلديات لكي يبني بيته، تأخر تعويض المكتبة ولم يقدر على إكمال بناء البيت، فسحبته البلدية منه بدون تعويض أيضاً، وظل يراجع ناسياً أمر المكتبة ومتذكراً فقط البيت الذي سحب منه، فرأفت البلدية بحاله وأعطته تعويضاً عنه قطعة أرض بجانب أحفاده، وحاول أن يبني وطالت المدة، وضاقت ذات اليد والحياة تسارعت وتغيرت·
وفي يوم من زمن شيخوخته، وجد فجأة لافتة على أرضه تخص شخصاً آخر، يدّعي بالأوراق أنه اشتراها من شخص إلى شخص، في حين مالكها الحقيقي لا يعرف شيئاً، ولا ما تخبئه تلك الأوراق التي تحمل رائحة الفساد والحرام، فراجع البلدية، واعتذروا عن الخطأ وأرجعت إليه الأرض ثانية، فهدأت حاله وراق باله، حتى جاء ذات يوم·· ووجد الحفارات والعمال يسوون المكان تمهيداً للبناء، ولافتة جديدة على أرضه لا تخصه، بل تخص صديقه باعتباره مالكاً للأرض، فدارت به الدنيا وسقط في غيبوبته الأخيرة، وحين قررت البلدية إزاحة اللوحة الموضوعة على أرض الشرعبي- أيضاً بطريق الخطأ وكانت تريد أن تعتذر كعادتها الطيبة- كان الرجل قد ودّع الدنيا ومتاعها ومتاعبها··

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء