صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الغرفة 203

في هذه الغرفة التي طولها ستة أمتار وعرضها أربعة أمتار، وقبل اثني عشر عاماً ويزيد، يلتقي كل صباح باريسي ثلاث عشرة طالبة وثمانية طلاب، أتوا من الجهات الأربع، كل يغرد على خمائل وطنه، يأتون مشبعين بأشياء قديمة، متطلعين إلى أشياء جديدة·· تجمعهم المعرفة، يوحدهم العقل، ويضمهم المكان الباريسي الجميل:
- وجه محدد الملامح، واضح في كل شيء، جسم كالرمح، تلقي بتحية الصباح كأي مضيفة متمرسة في العمل، وجهها ينبئك بعدم وجود أي مشكلة لديها، شعرها جميل، لباسها بسيط، أنيقة بفطرتها، تعرف ما تريد وما لا تريد، هي أمريكا، جاكلين، مضيفة الجو الجميلة، البسيطة، التلقائية حتى الفطرة·
- وجه أنثوي طاغ، تشعرك أنها تفهم أكثر من المُدرسة في الأمور النسائية، عيون كلها جرأة ورغبة، يقف لها طابور الرجال في الفصل، احتراماً مبالغاً فيه، إنها إيطاليا بكل تاريخها الفني والكنسي، إنها تماثيل مايكل انجلو على أرصفة روما وفلورنسا وفينيسيا·
- وجه تطغى عليه الأمومة، تبدو في عمرها أنها ناظرة مدرسة، الجميع يعاملها كأمه، نحس أنها أرضعتنا جميعاً، واليوم جاء دور وفائنا لها،هي من الدانمرك حيث مواطن الزبدة والحليب وكل ما يقوي العظام، تخبئ تحت عمرها الأمومي هذا، ثقافة واسعة وتسعى إلى التعليم، هي الاحترام والوقار الذي ينقصنا أحياناً وفي الفصل بالذات·
- وجه مدور صغير، أنف وفم صغير وعيون صغيرة وقدم كقدم الأطفال، تأتي وتحكي عن احتراق شقتها بابتسامة وضحكة متقطعة، دائماً معرضة لسوء الفهم من الآخرين، إنها يوكو، اليابان، هذا المارد الصغير الذي لا يكف عن الحركة وعن الابتسام، ومن اليابان أيضاً جيل آخر، تبدو كعارضة الأزياء، كل شيء في جسمها محسوب، مع طول جميل نادراً ما تجده عندهم، الأفضل أن تلتقي بها على شاطئ البحر لوحدك، لا في فصل مدرسي فيه ثمانية ملاكمين، مستعدين أن يزاحموك على أي شيء·
- وجه مدور وشعر كستنائي وعيون واسعة قريبة من العيون التي بين الرصافة والجسر، امتلاء شيرازي، وبياض ساساني، لا تستطيع أن تنظر إلى عينها إلا ودمعت عيناك، إنه سحر الجواري الذي قتل مولاي السلطان قبل ألف سنة ومائتين مما تعدون - هذا الجمال الشيرازي لا يصلح إلا أن تنهض من النوم وتقول: أريد هذا وهذا، أريد ذاك الشيء، لا·· لا·· نفسي في هذه·· أو أقول··طا·· ما لي نفس·
- ثلاثة طيور إيرلندية، يتكلمن في الصف، يأكلن في الصف، مثل العصافير الصغيرة، دائماً متدثرات بالملابس الغليظة خشية البرد والبلل، مثل جرذان الجدران، يتحركن في كل مكان، يقضمن أي شيء ولا يكفن عن الصراخ الطفولي·
- وجهان من إنجلترا·· صبي طويل، له شعر أشقر طويل، يختلط أحياناً علينا أمره، اسمه سيمون، وصبية شقراء، ذات شعر أشقر قصير شبيه بحلاقة العسكريين، يختلط أحياناً علينا أمرها، وجهان باردان مثل طقس المدينة الضبابية وحرارة أحاسيسهما·
- من النرويج وجه ناري وشعر ناري، تحس أنه تعرض لحريق في صغره، يشبه المحاربين الفايكنج كل الصف لا يحسدونه على شيء إلا أنه يسكن عند عائلة فيها أربع بنات فقط!!
- من السويد أرقى مدن الأرض، تأتي هذه البطة الاسكندنافية، لم أستطع أن أحفظ اسمها رغم أنها اختصرته مرتين، شعوب الدول الاسكندنافية يحملون أصعب الأسماء وأطولها، الذي يرى وجهها يدرك أنها تموت في السمرة والجلد المحروق بالشمس، وليس في الصف أسمر منا أنا وأنطوني وماركوس، أديب ومتأدب ومستعجل، فمن يفوز بالنظرات الثلجية النارية، انطوني من غانا أكثر الطلاب أدباً وتأدباً، هو أفريقيا السوداء بدفئها وأحاسيسها الحارة، تجاه الأصدقاء والغرباء، هو أقرب الناس لنا كرماً وأخلاقاً والتزاماً وبساطة في العيش·
ماركوس الإسباني، هذا ليس لديه وقت يضيعه، يريد أن ينهي كل شيء بسرعة ويرجع إلى إسبانيا، يريد أن يتعلم، ويتقن صنع المأكولات والحلويات الفرنسية ويريد أن يخفف وزنه، كل هذه الأمور في سنة واحدة·

الكاتب

أرشيف الكاتب

لصوص لحظة الغفلة

قبل 23 ساعة

متفرقات

قبل يومين

الكبير.. كبير

قبل 3 أيام

خميسيات 7-11-2019

قبل 6 أيام

«شارع الكنعد»!

قبل أسبوع

انهزام العمائم

قبل أسبوع
كتاب وآراء