صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

البطيخ والطبيخ!

مشكلة العرب أنهم يخوّنون أي شخص يقول رأياً يخالف رأيهم، أو حين يفاجئهم برأي جريء أو صادم لما اعتادوا عليه في أيامهم الغابرة، وما أن يروا المجتهد والعازم، والماضي نحو اقتناص نجاح في أي قضية ما، حتى يبدأوا التشكيك في الجهود، وتجريم القائمين عليها، فلاهم يقفون خلفهم في حينها، ولاهم يكفون بعدها عن الدعاء والتمني والتحسر بقولهم ياليتنا كنا معهم، فنفوز فوزاً عظيماً، دائماً ما يرمون الأشجار المثمرة، لأنهم يريدون الاستحواذ عليها، والظفر بخيراتها وحدهم، أو على أضعف الإيمان المشاركة في الكسب، فهم مستعدون أن يتخندقوا خلف مدافع من الكلمات، وخلف رايات من الهتافات، لمجرد المخالفة الجوفاء، وضرورة التحزب، فللغنائم طرق كثيرة، أسهلها رفع المصاحف على أسنة الرماح، وأقساها مجاهدة النفس، والدفاع عن قضية عادلة ترضي الرب· أما المشكلة الثانية عند العرب، فهي البطيخ والطبيخ، فهاتان الكلمتان لا تنقضي دقيقة دون أن تردا على لسان أحد العرب الأشاوس، ولا يكتم فم العربي، ويلجمه إلا هاتين الكلمتين، فمقابلة الطبيخ، وأكل البطيخ، من دواعي سرور العربي وصمته، أقول ذلك لأن وصف اجتماع أبوظبي الذي عقد مؤخراً وضم وزراء خارجية تسع دول عربية بأنه اجتماع للتحضير لطبخة سياسية، بحيث تشعر أن المحللين السياسيين، وبعض الإعلاميين إما كانوا في غاية الجوع حد الإرهاق والهذيان، أو أنهم على شاكلة ''الشيف فهمي'' وفهمه للأمور السياسية الدائرة في المنطقة والعالم، والذي ينظر إليها مثل نظرته للسكاكين والملاعق والصحون، ومحاولة صفها وترتيبها، وتجنيبها الكسر· لقد جاء على لسان وزير خارجية الإمارات سمو الشيخ عبدالله بن زايد أن اجتماع أبوظبي يعد: ''جزءا من المجهود العربي للتشاور، ولدعم الوحدة العربية، وتنسيق المواقف بناء على النداء الذي اطلقه العاهل السعودي خلال قمة الكويت، والمتعلق بالمصالحة العربية والفلسطينية، وللتغلب على الظروف الصعبة، ولدعم توافق عربي من شأنه أن يوقف التدخلات غير المرحب بها، وغير البناءة في شؤوننا من قبل أطراف غير عربية، ودعم الوحدة العربية، وحشد التأييد لمبادرة السلام العربية، ولإعطاء مزيد من الدعم للسلطة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس محمود عباس، ودعم منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وستتبعه اجتماعات أخرى خلال الأسابيع المقبلة، وسينضم إليه مزيد من وزراء خارجية الدول العربية''· ولا أدري لما كل هذه الانقسامات العربية نحو إيجاد حل سلمي وعادل للقضية الفلسطينية، وهو حل سياسي لا تاريخي في ظل تشرذم العرب، وهوان الأمة الإسلامية، لتجنيب هذا الشعب الذي قاسى طوال 60 عاماً من القتل والتشريد والاضطهاد، ومنعه من الحياة الكريمة على أرضه، وكأنه منذور لعذابات التاريخ، ومكتوب عليه أن يقدم قرابين الدم نيابة عن الآخرين، وحروبهم الخاسرة، والذين يزايدون عليه، ويغتنمون ظروف أحواله ليحولوها إلى مكاسب وطنية وشخصية لهم، ويمكن أن يتاجروا بسخونة دمه، وكريم الدعم الذي يتلقاه، وبراءة أطفاله، وحتى نشيده الوطني الذي رفعه منذ زمن بعيد ضد الموت والفناء وأعداء الحياة!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء