أخذت الرواية على عاتقها منذ نشأتها واستقرارها موضوع الرحلة إلى الغرب بوصفه موضوعاً أساسياً لهموم الشرق الناهض، فالغرب الأوروبي، تحديداً، بدا بمثابة تحدٍّ لابد من مواجهته، والبحث عن أسباب تقدمه، في مواجهة أسباب تخلفنا. هكذا بدأت رحلة طويلة من السرد الروائي، امتداداً من رواية علي مبارك «علم الدين» وليس انتهاء برواية فتحي غانم «الساخن والبارد». وكان النظر إلى الغرب في أغلب هذه الروايات يكشف عن إشكالية الأنا في علاقتها بالآخر في جوانبه المتعددة والمتناقضة. ولا شك أن هذه العلاقة ظلت علاقة مربكة للأنا، فالغرب هو العدو الذي غزانا عسكريا لنهب خيراتنا، وذلك في حقبة المد الاستعماري التي سعت فيها أوروبا الرأسمالية إلى استغلال الشرق واستيطانه عسكريا لتأمين مصالحها وزيادة مواردها، والشرق بالنسبة إلى الغرب كان هو العالم الساحر العجيب الذي لابد من كشف أسراره وإشباع الفتنة بالمجهول فيه، والساحر منه، زيادة على تحويله إلى مصدر لا ينفد لتحقيق مصالح الرأسمالية الأوروبية التي كان الاستعمار الاستيطاني وسيلة من وسائل هيمنتها على مصادر الثروة والقوة والطاقة والمواقع الاستراتيجية التي تتحكم في حركة التجارة العالمية، وهي نظرة يختلط فيها الانبهار بالنفعية، وممارسة الهيمنة لإبقاء الشعوب تحت السيطرة الاستعمارية. وكان الغرب في أعين الشرق ذا أوجه متعددة متضاربة، فهو الغازي والقاهر والمستعمر المكروه لأنه العدو، وهو مصدر الحضارة التي هي سر التقدم، ولذلك كان الغرب في الروايات العربية عنه مصدر تضاد عاطفي لا ينقطع، وإذا أضفنا إلى ذلك أن الشرق كان مصدر الديانات السماوية، في مقابل الغرب الذي كان نموذجاً للحضارة المادية، ظهر لنا وجه جديد من أوجه التضاد بين معرفة المتخلف ومعرفة المتقدم. ولذلك كانت روايات الرحلة إلى الغرب هي روايات تضاد عاطفي ومعرفي على السواء، ومن يقرأ كتابات الرحلة إلى الغرب المبكرة لن يفاجئه نوع الأسئلة التي كان يطرحها أمثال رفاعة رافع الطهطاوي، في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، عن الأسباب التي جعلت هذا الغرب الذي لا يؤمن بالإسلام يصل إلى نتائج حضارية يقرها الإسلام، خصوصا فيما يتصل بالعدل الذي هو أساس الملك، ورعاية الحقوق الشرعية، فضلا عن المساواة بين أبناء الأمة بلا تمييز. وكان أمثال رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وفرنسيس المراش ينقلون هذه الأسئلة إلى أبناء وطنهم، فيؤججون فيهم معنى التضاد العاطفي، لكن مع إردافه بمحاولة الإجابة عن الأسئلة الكبرى الخاصة بالتقدم، ومنها السؤال المهم كيف نصل إلى التقدم الذي وصل إليه الغرب، لكن مع الحفاظ على هويتنا القومية وخصوصيتنا الحضارية؟