صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

عبدالحسين عبدالرضا غياب كالحضور.. بطعم الألم

في اليوم الذي أذيع فيه رحيل عملاق الفن العربي، الفنان الكبير عبدالحسين عبدالرضا، كانت المشاعر أشبه بأعشاب برية، عصفت بها رياح شتوية، قصفت الجذور، ونسفت البذور. كانت ليلة ليلاء، أصبح للغياب فعل الجحيم، وفعل النار في الهشيم؛ لأن هذا الفنان أسعد الناس بفنه الرفيع، ولوّن وجدان محبيه بالفرح، وهم كثر، هذا الفنان عالج قضايا مختلفة الوجوه، بقلب صافٍ، وروح شفافة ونفس نقية طاهرة، إنه دخل في كل بيت كما ولج كل وجدان، مثل النسمة التي ترتب المشاعر بلمسات خفيفة، عفيفة، معافاة من درن الاصطفاف والاستخفاف، إنه الفنان الذي لم يستبد به العقل، بل كان العقل لديه الحصان الذي جر العربة إلى أرصفة الحب، والعطاء اللامتناهي. وكم شعرت بالأذى وأنا أقرأ تغريدة، فاحت من كلماتها، قمة البذاءة والجهل والاستخفاف والالتفاف على الحقائق، ودمغها بعفن القيم البالية والأفكار السوداوية، ومشاعر الحزن التاريخي الذي لا يزال يستوطن ضمائر بعض المشعوذين والهستيريين، والذين سيطرت على أذهانهم آفة الحقد والكراهية لكل ما هو جميل في الحياة. عبدالحسين عبدالرضا، لم يصطف إلا باتجاه فنه الذي أعطاه من عمره لما يقارب الخمسين عاماً، فعندما يأتي شخص نكرة، ويلقي بقذاراته في نهر هذا الفنان الكبير، ليس لشيء، فقط من أجل أن يكرس بذرة شيطانية. في دورة الحياة، وأمثال هذا الكائن، متخصصون لإشاعة الأفكار الملوثة بأدران الماضي، وهم يعتاشون من الماضي كما تعيش الدواب على الجيف، هم يتورمون بأوهام الماضي مثل الجثث الملقاة على أرصفة الإهمال، وهذه النفايات البشرية لا يغض لها طرف إلا بعد أن توجه السهام إلى من هم زخرفوا حياة الناس بالفرح، ونقشوا على سبورة الوجود أسماءهم، والتي أصبحت منارات مجد. المهرطقون، والمزيفون، والمرتجفون، لا يجدون لهم مكاناً إلا في مستنقع السباب، والإساءة إلى الناس، لأنهم كالطفيليات لا تعيش إلا في المناطق المتسخة، هؤلاء يريدون العالم أن يعيش في حالة الضياع والتفرقة والتمزق، والغرق في محيطات الشيفونية والطائفية والعرقية، لأنهم يعرفون أنفسهم جيداً، وواثقون من أن قدراتهم لا تتعدى هذا الانغماس في عبثية التصنيف وعدمية المبادئ، هؤلاء نصبوا أنفسهم أولياء على البشر، يهبون هذا صكوك الغفران، ويمنعونها عن ذاك، هؤلاء يذكروننا بمحاكم التفتيش الكنسية آنذاك وفي عصورها المظلمة، هؤلاء يعيشون خارج الحياة داخل غرف العقل المعتمة، هؤلاء مثل الجملة المبهمة، هي موجودة، ولكن بلا معنى. رحم الله فناننا الكبير وأدخله فسيح جناته.

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء