صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

أشياء واقعية

بالأمس ظهر بطريق الخطأ عمود أشياء صغيرة مزعجة حيث لم يكن الأمس توقيته، وقد أرسلته بطريق الخطأ أيضاً، لأنه كان يحمل نفس التاريخ واليوم، ويشاء حظي أن يلقم الكمبيوتر العمود المؤجل ويترك العمود الحقيقي، فقد كان ما كتبته فيه هو من إملاء السكرتيرة الشاطرة، ودوماً نخاف من الشاطر وغلطته، فقد قرأتموه كما هو خامة أولى، وبالكاد استطاع بعضكم فكّ شيفراته، لأنه لم يخضع للتصحيح والمراجعة والتدقيق والحذف والإضافة كما تجري العادة اليومية، فالهاتف المحول تحول إلى هاتف محمول ورنّة الفاكس الرتيبة تحولت إلى رنته الرنينة ودخول المصعد، صارت كلمة ليست في موقعها فظهرت بدلاً عنها بض المدخل، ولو لا تدارُك مصححي الجريدة لظهرت غفوة النوم إلى غنوة النوم والله لطف·
وحينما رأيت عنوانه أدركت الكارثة الصباحية وعاقبة السهو، فقلت الله يستر من هذا الصباح وأشيائه الصغيرة المزعجة، وما كدت أقفل باب الجراج بالزر الداخلي حتى تيقنت أنني نسيت محفظتي التي فيها بطاقة تشغيل السيارة وداخل السيارة مفتاح البيت الاحتياطي وريموت الكراج، فبقيت محبوساً بين بابي الكراج، كالمحبوس بين الماء وبين النار، وفي الكراجات النقال لا ينفع ولا يشفع، وإلى أن تنهض سهيلة من منامها وتسمع خبط الأبواب تكون أنت قد أنهيت كل غضبك·
تركب سيارتك فتتلقى اتصالاً من مسؤول البطاقات الائتمانية في المصرف الذي تتعامل معه، يخبرك بأن بطاقتك الائتمانية سوف تلغى لأنها تعرضت إلى تزوير من قبل عصابات السطو الأليكتروني في الصين والذي سرعان ما يتحول إلى سطو مالي حقيقي، فتتذكر قبل سنة كيف كنت فرحاً بتلك الزيارة الجميلة والمفيدة إلى ربوع الصين، فيساورك الشك في كشوفات البطاقة وحساباتها بأثر رجعي، أنت الذي كنت لا تنتبه كثيراً لمراجعة فواتير الشراء والمدفوعات ولا تحتفظ بمسوداتها، فتردد اللطف من الأشياء الصغيرة والكبيرة المزعجة، كذلك لم يمر يوم العمل دون منغصات في تفاصيل العمل وتفاصيل الناس، فتبدأ تشك أنها لعنة عمود الأشياء الصغيرة المزعجة وتداعياته·
ساعتها تقرر أن تنسحب من أشياء اليوم الواقعية ودوائرها المزعجة، فتهرب إلى السينما وإلى فيلم طفولي، كي تنسى اليوم المعاش نحو المتخيل والحالم والعفوي، فتمضي ساعتين ونصف تشاهد فيلم Chronicles of Narnia وكان الشيء الوحيد الجميل في يومي الذي لم ينته، لأن هناك شيئاً قد يكون كبيراً ومزعجاً جداً، إذا ما أخفق العين في خسارته للثلاث نقاط في سباق الدوري، وتقليص الفارق، لكن يبدو أنه ليست كل مباريات الليل، تمحو تعب النهار وأشياءه الواقعية والمزعجة·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء