“رباه! ما سر هذه التعاسة العظيمة؟! ما سر هذا الموت المقيم؟! يأبى أن يفارق، أو يبارح، أو يستل خنجره المغروس في الروح”، أصداء كلمات تطوف بخاطري تشعر بالحضور المتواصل للموت هذه الأيام. يموت صديقي أسامة أنور عكاشة فأختلس الوقت الذي أجلس فيه إلى مكتبي كي أكتب رثائي له، وأقرأ ما تركه في الوجدان العربي بمسلسلاته العظيمة التي سعى فيها أن يؤسس في دراما الشاشة الصغيرة ما يوازي إنجاز نجيب محفوظ العظيم في الرواية. ولا أكمل القراءة التي كنت أكتبها تحية لمن أحببته أخاً واحترمته مبدعاً وأكبرته موقفاً، إذ يأتيني خبر موت فاروق عبدالقادر الناقد العنيد، الرافض لكل تنازل، فأقطع ما أكتب عن أسامة وأكتب توديعاً لفاروق عبدالقادر الصديق القديم، ولا أكاد أفرغ من مقالي عنه، حتى يداهمني موت محمد عفيفي مطر، ثالث ثلاثة أسسوا حداثة القصيدة العربية في مصر، فأدخل إلى عالم الموت، وأجلس إلى مكتبي أستعيد ذكرياتي مع محمد عفيفي مطر الذي عرفته منذ أوائل السبعينيات، وتابعت شعره بإعجاب، لكن حدة طبعه كانت تباعد ما بيننا، خصوصاً أنه كان يتهمني بأنني لم أدرك خصوصيته، وألحقه ظلماً بالنزعة الأدونيسية وأسطورة البعث التموزي، ويترك في داخلي موته حزناً غامراً، وأسى عميقاً، وإحساساً بالذنب لأني لم أكتب عنه بما يليق بمكانته المتفردة، فأجلس إلى المكتب، وأسهر ليالي متتابعة في استرجاع أعماله، وأعيد اكتشافها، كي أنصفه من نفسي، ولا يفارقني الحزن الموجع على موته، فأمضي في اكتشافه، وإذا بي في باكورة صباح الخامس من أكتوبر الماضي، أعرف موت نصر حامد أبوزيد رفيق عمري وتوأم روحي. وأشارك في نقل جثمانه إلى قريته قحافة، وأشارك أهل قريته في الصلاة على روحه، في المسجد القديم الذي كان يصحبه أباه إليه طفلاً، ويسمع دعاء أبيه له كي يغدو عالماً أزهرياً جليلاً، لكن هذا الصبي الذي يكبر، متعاطفاً مع الإخوان المسلمين، ينحاز إلى التيار العقلاني في التراث الإسلامي، ويكتب في “الخطاب الديني” ما أثار المتطرفين عليه، ونجحوا في استصدار حكم بردته عن الإسلام، والله الذي خلقني ما عرفت عنه ما يشينه في دينه، ولا ما ينتقص من إسلامه، فأودعناه الثرى، بعد أن تركناه بين يدي خالقه العادل الذي لابد أن يكافأه على قدر عمله. وما تكاد عيوني يجف دمعها من وداع نصر، وأكتب ما أودّعه به، حتى تأتيني مكالمة حزينة من ابنة صديقي الروائي محمد عبدالسلام العمري تبلغني فيها بوفاته المفاجأة، فأعود مرة أخرى إلى عالم الموت، صارخاً: أيها الموت ابتعد عن أصحابي، فالحياة لا معنى لها بدونهم، فالأحبة هم الحضور الفرح في الكون وغيابهم هو رحيل لكل ما هو جميل وأليف وصادق. رحمهم ورحمني الله.