صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

العمود الثامن

في حماية اللغة الأم -2-
ستساهم العولمة بتمكين اللغات الرئيسية من السيطرة، ومد نفوذها اللغوي عبر مستعمراتها القديمة، من خلال النشر والإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، مع التركيز على اللغة الإنجليزية، وتمييزها كلغة موحدة ومفهومة لدى معظم شعوب العالم، لذا بدأ نذير الخطر ينطلق حتى من تلك اللغات الرئيسية كالفرنسية والروسية والإسبانية والعربية وغيرها، خوف تأثرها، ومحاولة إزاحتها من أماكنها، وتمكن الأجيال القادمة من الإنجليزية وتعطيل لغاتهم الأم، أو جعلها لغة ثانية للحديث في البيت أو كنوع من الحنين، أما لغة المصالح والأعمال والإعلام والتعليم فستكون اللغة القوية والمهيمنة والمسيطرة والمدعومة، اللغة الإنجليزية، وما قد يكون اليوم هو نذير وتفكير بصوت عال واستشراف، سيصبح في قادم الأيام واقعاً، وعلينا أن نتعامل معه بالرضا والحسنى أو بالإكراه وفرض الحال·
لذا تسعى القوميات والأقليات في العالم إلى تجنيد شعرائها وكتّابها ومفكريها ولغوييها وأكاديمييها وطلابها للالتفاف حول لغتهم الأم، وتسخير إمكانياتهم من أجل التدوين والكتابة وإعداد القواميس، وحفظ المحكي من قول الناس، والتراثيات الشفاهية، خاصة المهارات الفنية والفلكلور الغنائي والموسيقي والعادات والتقاليد·
وفي هذا الإطار دعا سكان بلوشستان مثلاً إلى إحياء لغة البلوش الأصلية، والتي يتكلمها فقط في باكستان وحدها أكثر من مليون شخص، وأكثر منهم في إيران ومثلهم في أصقاع العالم، فقاموا بعقد مؤتمر كبير في كراتشي لمحاولة حماية إرثهم التاريخي ومكتسباتهم الحضارية على مختلف الأزمان، داعين العلماء والألسنيين والمؤرخين إلى إنجاز المعاجم والكتب وحفظ الموروث وفتح بوابات على الإنترنت ومواقع على شبكتها العنكبوتية، وانشاء قنوات فضائية ومحطات إذاعية لمزيد من التواصل والتنشيط، وهي خطوة قدرتها اليونسكو وتساعد وتساهم فيها، وكذلك تفعل مع بقية شعوب العالم المهددة لغاتهم المحكية بالاندثار·
وهنا·· لا يغفل دور البيت والمدرسة والأم بالذات في ترسيخ اللغة الأم وفي ترسيبها في قاع ذاكرة صغارها وتوجيهها واهتمامها·
إن وسائل الإعلام اليوم·· هي من تقوم بدور البيت والمدرسة والأم، وتساهم بشكل كبير في حفظ وتداول اللغة، ومدها بالجديد دائماً من الكلمات والمصطلحات، ويكاد دورها الجديد يفوق ما قامت به المجامع اللغوية على مر سنينها، غير منكرين أثرهم الطيب في أوقات سابقة حين أثروا القاموس اللغوي وسعوا إلى إبتكار كلمات جديدة وتجديد أخرى وأزاحوا الغبار عن كلمات قديمة خف استعمالها أو نسيت في الجديد والحديث، فمجمع الخالدين في فرنسا، شروط الترشيح له تعد من أصعب المسائل، حيث العضوية لا تسقط إلا بالوفاة، لذلك أطلق عليه مجمع الخالدين، حيث يساهم كل عضو فيه كل عام بتنقية اللغة الفرنسية من الدخيل عليها من لغات العالم، وتنشيط كلمات قديمة وبث الحياة فيها، وابتكار كلمات ومصطلحات عصرية وحديثة، كل ذلك من أجل الخصوصية والدوام والمحافظة على اللغة الأم، وبالتالي الهوية··

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء