صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

مشاهدات


هناك رافعة بطول تسعة أمتار علواً، لها اليوم 5 شهور وسبعة وعشرون يوماً رابضة وسط فيلل سكنية، ومادة ذراعيها الطويلتين، تحمل خمس كتل إسمنتية ضخمة، لا يهم من يدفع ثمن إيجار الونش اليومي والمتوقف عن العمل كل هذه المدة، ولا يهم إن كان هناك خلاف دائر بين المالك والمقاول أو الاستشاري، المهم أن لا تتعب يدا الرافعة يوماً وتسقط تلك الكتل الإسمنتية الخمس على سيارات متوقفة أو أشخاص مارين أو متوقفين أو أولاد يلعبون في ذلك الشارع، ونقول بعدها: أعمارهم قصيرة، لا حول ولا قوة إلا بالله أو قدر ومكتوب، إنّا لله وإنّا إليه راجعون أو يضيع دمهم بين الفرقاء الثلاثة المتخاصمين، فالمثل الألماني يقول: عند العاصفة ولكي ينقذ الرب البحّارة، على الربان أن يكون في مكانه الصحيح وهذه الرافعة ليست في مكانها الصحيح منذ 5 شهور وسبعة وعشرين يوماً، ونخشى أن تسقط في مكانها غير الصحيح، على رؤوس المارة أو السيارات العابرة أو صبية يلهون·
شاهدت فيلم رأس الجرة Jarhead وهو لقب يطلق على مجندي المارينز الأمريكان بسبب طريقة حلق رؤوسهم، وهو فيلم يناقش موضوع هؤلاء المجندين وكيف يقحم بهم في الحروب الخارجية كحرب الخليج، وأثناء مشاهد هذه الحرب، ظهر مشهد، بدا لي أنه مقصوص أو قصه مشرط الرقيب هنا، وهو قتل فارس عربي والتمثيل بجثته أو عدم احترامها أخلاقياً، نفس الممثل كان قد تعرض في مشهد آخر لامرأة عربية منقبة وأتى بحركات جنسية إيحائية صارخة، والسؤال إذا كان الأمريكان راضين عن مثل ذلك المشهد، ولا يرون أنه يخدش صورتهم أو صورة جندي المارينز فلماذا يتدخل رقيبنا - وهو بالمناسبة ليست له رتبة الرقيب عسكرياً- ليحسن صورتهم لدينا؟! هل هي كاثوليكية أكثر من البابا أو ملكية أكثر من الملك؟ رغم أن أحد أبطال الفيلم يقوم بدفن الجثة أخيراً ويمنع صديقه عن إتمام فعله، ويحاور حصان الفارس بطريقة إنسانية نبيلة في لحظة فقده لفارسه وهو يهوم على وجهه وتلوثه بالنفط، وهو الأمر الذي لقي بشأنه عتاباً من رئيسه الميداني، حينما قال له: إنه أمر أخلاقي ولكن في الحرب ومن رجل المارينز فهو أمر غير مقبول ولا يفعلها أبداً، وإن فعلها كان عرضة للعقاب، ثم انصرف وتركه يدفن الفارس العربي الذي قطع الرقيب مشاهد وظروف قتله والتمثيل بجثته وربما الاعتداء عليها أخلاقياً، لقد كان قطع الرقيب العربي عندنا للمشهد، مسألة غير مبررة وجعلت المشاهد يفتح أسئلته الكثيرة حول ما حدث، وهل كان الفيلم يعني بذلك المشهد إذلال الفارس العربي؟ لكن رقيبنا العربي رفض ذلك، خوفاً علينا من ألم نفسي أو خوفاً من تربية أحقاد صغيرة، قد تكبر غداً في الصدور تجاه الأمريكان وجنودهم المارينز·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء