صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

مدن تستدرجك نحو اليتم

ناصر الظاهري
استماع

بعض المدن، خاصة الكبيرة المتغطرسة تشعرك باليتم، خاصة إذا ما جنّ الليل فيها، وبدأت تفرز الناس المستلبين نحو غواياتها واشتهاءاتها مسبقة الصنع، فجأة تثب على روحك محاولة سرقة شقاوتها وفرحها وبهجتها تجاه ألوان الحياة، وتحاول أن تمارس عليك وطأة قدمها الرأسمالية المتكبرة، ولو كان جيبك عامراً، ثمة فعل لبعض المدن خاصة التي لا تستند على تاريخ قديم يحافظ على روحها، ولا تعفرت يوماً بسنابك الخيل، وعرق الفرسان، ولا وهج انتصارات الناس، لم يخلدها فلاح بمنجل حصاده، ولا بشق الأرض بفأسه زارعاً شجراً لأحفاده، بعض المدن تشعرك أن لها بوابات من حديد صدئ كمصنع مهجور، لا أقواس في قناطرها حانية، ولا جسور من ود ومحبة على خاصرة نهرها، مبان زجاجية تنهرك من بعيد، وتتعامل معك كقطنة شاش طبية مبلولة، لا درويش فان متفان فيها يذرع سكيكها، منتظراً قدوم سلطان العارفين، ولا مجنون الحي الذي لا يؤذي، يوصل بنات الحي العائدات من مدارسهن إلى منازلهن بعيونه، ولا نفر من الشباب الغض كحرّاس غير منصبين على الحي، يمكن أن يفزعوا لأي شيء، وكثيراً ما يختلقون الأعذار ليقدموا للناس خيراً وإحساناً، أو يدلوا غريباً على عنوانه، أو يعضدوا أعمى حتى يعرف دربه.
مدن قاسية لا لون طاغياً غير لون الرماد والأسمنت الفج فيها، وذاك البريق اللامع في زجاجها الذي يغشى ويعشي العين، لا نوافذ مواربة على الستر، تنتظر مطراً خجولاً آخر الليل، أو نافذة سهرانة تستدرج السمع لصفير محب يدندن بلحن طروب لحبيبة القلب، لا عجوز تتوسد عتبة الدار، ترسل دهشتها العاجزة، وكلاماً كثيراً عالقاً في الحنجرة، كانت في أيامها تتحدث به مع صديقات العمر اللاتي تناقصن سنة بعد سنة، لا بواقي مجاهدين من حرب التحرير المجيدة أو فرسان ترجلوا يجمعهم فيء شجرة قديمة يتبارزون في معارك نسيها الجيل الجديد وبقيت ماكثة في رؤوسهم الشائبة، وبقايا ميداليات ظلت تصدأ على صدورهم بفخر، مدن حيّة بالناس، ومن أجل الناس، عجنتهم، وبها عجنوا.
فجأة تدخل الجزائر فيغيب ذاك اليتم الذي في المدن، تناديك شبابيك زرقاء استلفت زرقتها من لون السماء، وشرفات ترنو إلى البحر تودع سفينة غاربة أو تستقبل «وابوراً» آيباً، مدينة ضاجّة بالناس وبالمعروف والرجولة الماكثة، مدينة تخبئ لك الكثير، مثلما حملت في صدرك الصغير محبتها ووجع ناسها، ونشيدها المرعد منذ الصفوف الأولى، الجزائر تفتح ذراعيها صارخة فرحة بذات الشاب الذي لم يتعد الثامنة عشرة، وكان ذات صيف هنا: «مرحباً وليدي.. آه.. حنوني»!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء