صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

رحلة خمسة دراهم


في أمسية جمعتني بأحد الميسورين ممن يزيد دخلهم السنوي على المائة مليون درهم بكثير، لفت نظري وجود ورقة نقدية من فئة الخمسة دراهم مطوية وضائعة بين أوراق كثيرة في جيبه، تساءلت: ترى ماذا يمكن أن يشتري بها؟ ما هو مقدار قيمتها عنده؟ رجل بهذا الدخل العالي هل يمكن أن يتذكر لون وشكل الأوراق النقدية البسيطة؟ سأحكي لكم قصة تجربة علمية أجراها علماء النفس على مجموعة من الطلبة من مختلف الشرائح الاجتماعية، ليرسموا الدرهم المعدني، فظهرت نتائج مضحكة ورسومات عجيبة، الأطفال الفقراء رسموا الدرهم بحجم الصينية، أبناء المنعمين رسموه اقرب إلى حجمه الطبيعي أو أصغر بقليل، بينما أبناء المترفين أظهروه بأحجام مختلفة صغير، كبير، شكل هلامي·
الحقيقة أربكتني ورقة الخمسة دراهم المدللة في جيب صاحب الملايين، ودارت في فكري نفس التساؤلات التي يطرحها عادة الناس البسطاء: كيف يتصرف الأغنياء وأصحاب الثروات الضخمة في نقودهم التي لا تأكلها النيران؟ هل يراجعون الفواتير؟ هل يأخذون باقي نقودهم التي ترد إليهم؟ كم يدفعون بقشيشاً للذين يخدمونهم؟ كم دخل رؤساء الدول؟ كيف يستلمون رواتبهم، علاواتهم، بدل مهمات رسمية وغيرها؟ بالرغم أن هناك مجلات ونشرات متخصصة في مثل هذه الأمور، يعرفون دخول الأغنياء، وأصحاب الثروات الجديدة، الإفلاس، الخسائر المالية المدمرة، طبيعة هذه الثروات، كيف كسبوها؟ وفيما ينفقونها؟ وغير ذلك من الأسئلة الفضولية، الغريب أن قراء هذه المجلات هم الفقراء أو المتطلعون إلى الثروات·
معظم الأغنياء يقولون لك في آخر عمرهم، انهم ذاقوا الأمرين في جمع هذه الثروة، وأنهم مستعدون للتضحية بنصفها مقابل راحة البال، لكنه كلام غير قابل للصرف· رحلة الخمسة دراهم تبدأ لامعة براقة، صوتها عال وهي تخرج من بيتها الأول - المصرف المركزي- ويظل صوتها يخفت ولمعانها يبهت طوال رحلتها التي قد تطول أو تنقص حسب حظها من الدنيا، قد تخطو أميالاً ثم تستقر في خزانة حديدية باردة أو تظل تشقى حتى تمحى حروفها أو تقع في يد صياد أو بائع سمك فتركب حراشف وصفد أو تلمس يد جزار فتصبح مدهنة ملطخة بالدم، قد تذهب إلى يد بائع عطر فتتضمخ بالعطور والطيوب، قد تستقر مؤقتاً في حقيبة يد نسائية فتخرج متزينة تحمل روائح الدنيا أو يكون حظها تعيساً فتقع في يد بخيل يحلف عليها أغلظ الإيمان أن لا تخرج من مخبأها حتى تخرج روحه قبلها، قد تنضم إلى ركب المفقودين المعذبين، تتداولها أيدي عمال محطات البنزين أو مصلحي إطارات السيارات أو ترافق عجوزا فتصرها في طرف شيلتها انتظاراً لطلبات الحفيد التي لا تنتهي·
قد يشترى بها فاكهة أو عقد ياسمين وقد يشترى بها طلقة غادرة، قد تسقي واحداً شربة، قد تطعم أسرة صومالية أو بنغالية بأجمعها وقد يتلهى بها طفل مدلل حبيب أمه في حبة حلوى أو شيكولاته، زمان، كانت تكفي الطفل منا آنة حمراء أو ربع درهم·· الآن الدراهم المعدنية لا يعرفها أحفاد النعمة الطارئة·
هناك قصة جميلة وغنية، كتبها تشيخوف العظيم، وهي تعتبر من أقصر القصص في الأدب العالمي: كنت صغيراً·· أمشي فوقعت عيناي على عملة معدنية روبل منذ تلك اللحظة لم أرفع عيناي عن الأرض، الآن ·· وبعد عمر طويل جلست أحصي ثروتي، فوجدتها تتكون من (1562) مسماراً و(70) دبوساً و(137) مثبت شعر نسائي و(3) روبلات وظهر معوج وبصر ضعيف· خمسة دراهم في جيب ملياردير·· ترى ماذا كانت تفعل هناك؟ ولوحدها!!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء