صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

"أموات" يرزقون في "الفيسبوك"

ناصر الظاهري
استماع

كثيرون من قتلهم «الفيسبوك»، وهم أحياء يرزقون أو قرأوا نعيهم مذهولين، خاصة المشاهير والنجوم، وكأنها تسلية يمارسها البعض غير المسؤول، ولعب بعواطف محبي أولئك المشهورين أو تمني بامتلاك تلك القوة الرهيبة المخفية والتي أعجزت الإنسان وتمناها للسيطرة على خط سير الناس، ونبض حياتهم وموتهم أو هي ربما مصيدة لجذب متابعين لحساباتهم المبنية على الوهم، وخداع الناس، والتكثير من «لايكات» عباد الله.
هذا النعي المبكر ليس حصراً على النجوم والمشاهير، فهو يمتد للذين نعدهم من الأعداء، فنتمنى لهم الموت المبكر إلكترونياً أو نشيعهم دون أسف وبتشفٍّ، وكأننا نعلن بذلك نصرنا العقيم عليهم، وأشد أنواع النعي ذلك الذي ينعى الإنسان فيه نفسه لمزيد من الشهرة، وتسليط الضوء عليه من جديد بعدما انحسرت كل الأضواء عنه، وفارقته كاميرات وشاشات الشهرة أو بغية طلب شهرة بعد ما عجزت مواهبه الميتة أن تجلبها، ولا أدري سر تلك العدوانية التي حلّت على الناس المتعاملين بأدوات عصرية مفيدة، وحوّلوها فجأة لما هو ضار ومؤذٍ للآخرين حد يصل للنعي المبكر لوفاتهم، وهم ما زالوا أحياء يرزقون.
«الفيسبوك»، أصبح مقبرة للكثيرين، ويحمل شواهد رمسهم، البعض من هؤلاء المقبورين تصبح نفسياتهم في الحضيض، خاصة إذا ما كانوا في وضع صحي حرج أو يصارعون مرضاً عضالاً، وبحاجة لكلمة طيبة، وأمنية ترفع معنوياتهم، ودعاء يقربهم من رحمة السماء، فيتصبحون بتلك الإشاعة، وطلب تحضير أكفانهم وحنوطهم وكافورهم، والبعض منهم تجدهم يضربون رؤوسهم في الجدار يريدون أن ينتقموا من أحد ما لا يعرفونه، ولكنهم يعرفون أذاه بالتأكيد، والبعض الآخر، يعتبرونها مزحة ثقيلة، وغير أخلاقية، وأخطأت هدفها، لكنها ربما تكون مدعاة لزجر ناعي الموت الذي يبدو أنه يجوس المنازل القريبة.
قتلى أو صرعى «الفيسبوك» أحياء لا يرزقون؛ لأن بعض المرضى حكم عليهم بالموت الفجائي، وأتذكر قصة ظريفة هنا لصديقنا الملحن خفيف الدم «إبراهيم جمعة»، حينما تطوع للمشاركة في حرب 67، وما إن بدأ الاستعداد لذلك، وتسجيل اسمه، وتجهيز أمتعته للذهاب، بنية التطوع، وعلم الأولاد بذلك حتى ملأوا جدران المنازل ومسجد الحارة بتلك العبارة المنذرة، لا المبشرة: «الشهيد إبراهيم جمعة.. إلى جنة الخلد الشهيد إبراهيم جمعة»!

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء