صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

بشاعة أم

خلال ثلاثة عقود من الزمن، قفزت القيم الاجتماعية قفزات سريعة وواسعة، وتحركت مياه ساخنة في الوجدان الإنساني، ودارت حول الإنسان عواصف، نسفت ثوابت وضوابط، وغربلت عادات وتقاليد، لأن القرية التي كانت تحصي أعداد سكانها بعد أصابع اليد، أصبحت الآن حشراً ونشراً، والأم التي كانت تعد طعام أسرتها بيديها تقاعدت الآن عن العمل، وجلست القرفصاء، وتتابع عن كثب المسلسلات طويلة الأمد، أو البحث في «البلاك بيري» عن صديقة تؤنس وحشتها وتملأ فراغها.. والأب الذي كان هو رأس المال، وهو مالئ القلب والمآل، صار اليوم الغائب الحاضر، الذاهب بعيداً في متاهات البحث عن شيشة أو “شلة حداق” أو.. أو.. أو.. أما الأبناء فهؤلاء ضحية العلاقات غير مكتملة النمو، هؤلاء الذين يدفعون ثمن الترهل والتعلل، فصارت حياتهم حرفاً مجروراً بكسر الخاطر وسوء الحاضر، ولا ملاذ لهؤلاء غير الغرف المغلقة، والانتماء إلى الإنترنت الجاذب الناهب، الصاخب بمشاهد وأحداث تُهرِّب مشاعر الصغار بعيداً عن الواقع وتطيح بوجدانهم، حتى بدوا وجوهاً بملامح ضائعة، وسحنات بألوان باهتة، ولاشيء غير الفراغ اللامتناهي، يخطف شراعه، ويأخذ بأفكار هؤلاء إلى حيث تستقر الهوية المفجوعة بأهلها.
الخبر المنشور في الصحف عن الأم التي قذفت بخطيئتها من الدور التاسع، للتخلص من جنين السفاح مؤشر خطر، فمثل هذه الحالات تتكرر يومياً، وفي الصباح تصدمنا الأخبار عن أحداث كهذه الواقعة، تدمي القلوب، ونحن ما زلنا نتحدث عن الهوية، ونخاطب ضمائر الآخرين باحترام ثقافة المجتمع، وتقدير ما يقدمه من منجزات هي في صالح الناس أجمعين.. أتصور أنه لو حدثت هذه الواقعة، أقصد إقدام الأم على قذف طفلها من الطابق التاسع، للتخلص من الفضيحة قبل عشرين سنة مثلاً، فإنها ستكون “فضيحة بجلاجل”.. وسوف تمضغ على الألسن لأشهر عديدة، أما اليوم، فإن كل شيء تغير، وصار المدهش عادياً، وكل شيء عادياً، في زمن تُجلد فيه القيم بـ “الكرباج” ولا من شاف ولا من سمع.. ومثل هذه الوقائع التي تحدث كل يوم، لا أحد مسؤول عنها قبل أرباب الأسر، فمن يستخدم خادمة أو سائقاً أو مزارعاً أو عاملاً، من دون أن يحرص على تكفيله، والتأكد من سريان إقامته بالبلد وتمتعه بعافية الجسد وصحة الأخلاق فإنه آثم، ويرتكب جريمة في حق المجتمع ويُحمِّل الجهات الأمنية أعباء ومسؤوليات جسيمة، وعواقب أليمة، ووقتاً وجهداً.. فإذا كانت بعض النماذج البشرية أصبح الإنسان لديها أرخص من تراب الأرض، وممارسة الرذيلة أمر لا يقابله أي تأنيب، فإن من واجب أرباب الأسر وبالأخص أبناء البلد، أن يحرصوا كل الحرص على سلامة البلد من هذه الملوثات، وأن يقفوا سداً منيعاً لصدّها وردعها، حفاظاً على مجتمعنا وسلامة بلدنا.


marafea@emi.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

الحرية

قبل 18 ساعة

أمكنة

قبل يومين

الشك وضعك الخاطئ

قبل 3 أيام

الحب

قبل 4 أيام

الخوف

قبل 5 أيام
كتاب وآراء