فيحكى أن والي مصر محمد علي باشا خرج يوما يتنزه مع بعض أفراد حاشيته، فمروا بأولاد يلعبون «بالقلل»، « ويقصد بها الفخارة التي توضع بها المياه»، وكان بينهم ولد يلبس طربوشا جديدا فتناوله محمد علي باشا عن رأسه وقال له: «بكم تبيع هذا الطربوش»، فقال الولد: « طربوشي كان سعره عشرين مصرية قبل أن تمسكه يدكم الكريمة، أما الآن فقد أصبح في يدكم الكريمة أغلى من أن يباع بثمن. فأعجب محمد علي باشا ببداهة الولد وقال لمن معه: «هذا الولد! ربما صار يوما حاكما عظيما» ثم قال له: «إذا أعطيتك ثمن الطربوش ألف مصرية فماذا تفعل بها»؟ قال: «أشتري قللاً وألعب بها مع رفاقي». فضحك محمد علي باشا وقال: «الولد ولد ولو حكم بلد». ويبدو أن حال بعض أصحاب القرار والمسؤولين في الوطن العربي لا يقل شأنا عن هذا الطفل الصغير الذي ضرب به محمد باشا مثل «الولد ولد ولو حكم بلد»، خاصة أن بعضهم لا يزالون صغارا على تقدير الثروة الحقيقية التي بين أيديهم وهو الإنسان الذي هو المحرك الأساس للتنمية، وهو أساس النهوض بالأمة والارتقاء بها، والتي تصل بها إلى مصاف الأمم المتقدمة، فبعض هؤلاء المسؤولين الذي سيسألون يوم القيامة عن البلاد والأوطان والشعوب التي حكموها و أخطأوا في التعامل معها ولم يحسنوا التصرف في استغلالها، عن كيفية استغلالهم لهذه الثروة وكيف أعطوا كل شخص حقة ولما تناسوا أن الإنسان هو اللبنة الأولى التي تعتمد عليها الأوطان في بناء نهضتها، ومساواتها مع سائر الأمم والشعوب، ولما لم يوقنوا أن الإنسان مصدر قوة الوطن ومبعث عزتها ونهضتها، لذا سعى عدد من الدول التي تقدر الإنسان على استثمار طاقات كل أبنائها دون استثناء والاجتهاد في تقدير تلك الثروة وتحريكها بشكل صحيح نحو احترام الإنسان وتكريس المادة والميزانية السنوية لخدمة هذا المواطن، بعكس الفريق الآخر الذين كرسوا الثروات المادية والملموسة لخدمة مصالحهم الخاصة ولم يحسنوا التصرف بها، ضاربين عرض الحائط أن الثروات بمختلف أنواعها مشتركة ما بين أصحاب القرار والمواطن فأخذوا ونهبوا وسلبوا بقدر ما يشاؤون ويريدون، حتى وصلوا في نهاية المطاف إلى إنسان مسلوب الحقوق وكوادر حرمت من أقل المميزات مقارنة بأقرانهم من البشر. Maary191@hotmail.com