مرة أخرى وجدت نفسي متورطة في نقاش مع جارات الوالدة العجائز الطيبات، بعد أن عادت إحداهن مبكراً من الإجازة الصيفية، فكان لابد أن تقوم بالواجب وتوزع الهدايا التي جلبتها من أوروبا على صديقاتها القديمات في الفريج. نقاش مثل هذا لابد أن أكون فيه مستمعة خشية انتقاداتهن لأفكاري التي قد يعتبرنها تقدمية، لا تتناسب مع أعمارهن ورؤيتهن الحكيمة للأمور، وغالباً ما أحرص على أن تعلو وجهي ابتسامة عريضة. كانت بقية الجارات ممتعضات من عدم مقدرتهن على السفر بسبب سوء الأحوال المالية، بعد أكثر من عامين عجاف على الأزمة المالية العالمية. وقالت إحداهن إن عدم سفرها كان بسبب الأجهزة الكاشفة التي زودت بها مطارات أوروبا، والتي تظهر جسد الإنسان عارياً بدون أية ملابس، وهذا ما يتنافى مع الحريات العامة، والخصوصيات الشخصية، إضافة إلى الأمور الدينية والحشمة والمنقود. أخرى قالت إن شهر رمضان الكريم يهل علينا مبكراً هذا العام في أوائل شهر أغسطس، والناس يفضلون أن «يرمضنوا» في البلاد، وهذا جعل الناس محتارين بين السفر لعدة أسابيع أو إلغاء فكرة السفر من أساسه، على أساس أن في العادة تكون رحلة الصيف شهرين كاملين على الأقل، وهي فضلت أن ترابط في البلاد فتريح وتستريح. ثالثة شعرت بالندم والحسرة لأنها سافرت مبكراً في شهر أبريل وقضت إجازة جميلة، وتورطت لأن الصيف طويل، وها هي تحتاج إلى إجازة ثانية وسفرية أخرى حتى تشعر بانتعاش العودة من الإجازة، وذلك يدفعها للاستعداد للسفر في إجازة عيد الفطر السعيد، الذي يصادف هذا العام في بدايات شهر سبتمبر أي أن الإجازة لا يزال وقتها مناسباً. رابعة رأت أن الأوضاع الأمنية والأجواء المناخية لم تعد تجعل السفر آمناً، وأن البقاء في البلاد أخير وأصوب، وماذا يمكن أن يجد الإنسان من متعة خارج بلاده، كل شيء موجود بفضل الله وفضل المسؤولين والحمد لله، قالت ذلك وهي تدعو بحسن الخاتمة، وأن تموت على ارض البلاد. لم تعجب آراء الصديقات القديمات صاحبتهن التي عادت للتو من إجازتها في مكان ما من ربوع أوروبا، وربما أرادت إغاظتهن أو التبجح بينهن فقالت: يالله على الجو والنسيم البارد في سالزبورج وفيينا وبادن بادن، ذلك غير المناظر الخلابة والخضرة، حياتهم وعيشتهم حلوة. كنت استمع من دون تعليق ولكنني أحببت إثارة حفيظتهن فقلت: هذا زمن العجائب حتى العجائز تخلين عن تراثهن، أين أيام زمان عندما كان القيظ في العين وتحت نخيلها وأشجار الليمون. وتنهدت بطريقة مسرحية وأضفت: سقى الله تلك الأيام. amal.almehairi@admedia.ae