صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

الحكيم الذي قال لرفاقه: اعبروا

إنه د· جورج حبش، زعيم حركة القوميين العرب، ومؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي رحل بما له وما عليه إلى وجه ربه وحده· كان ابن اللد قد رحل عنها صبياً مرغماً على بدء رحلة الشتات الفلسطيني، لكن تعليمه العالي في الجامعة الأميركية في بيروت قربه إلى شلة من الشباب الذين أسسوا معه فيما بعد بما يعرف بـ''حركة القوميين العرب'' قبل هزيمة حزيران، ثم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعدها، وكان من أبرز هؤلاء رفيق دربه د· وديع حداد الذي اشتهر بقيادة وتوجيه عمليات خطف الطائرات في نهاية الستينات، وبداية السبعينات، والذي قضى نحبه بالسم البطيء في أحد مستشفيات ألمانيا الشرقية، ودفن في بغداد عام 1978 · أيقن د· حبش أن خطف الطائرات يسيء إلى القضية الفلسطينية، فاعترف الرجل بالخطأ وتخلى سياسياً عن رفيق دربه المغامر، لكن تمسك بالدعوة إلى تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، فتعارض في ذلك مع البرنامج البراغماتي السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وعلى رأسها ياسر عرفات، ليخرج منها ويشكل ما عرف في السبعينات بـ''جبهة الصمود والتصدي'' بدعم عراقي ليبي· لكن الحرب الأهلية في لبنان ثم الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 فرض على الحكيم حبش أن يقترب من الراحل ياسر عرفات حتى حل الوئام محل الخصام بينهما في دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام ،1988 وبدأت الجبهة الشعبية بذلك تميل إلى الواقعية السياسية دون أن تتخلى عن عقيدتها الماركسية وشعارها بتحرير فلسطين كلها· جاءت حرب الخليج الأولى عام 1990 واتفاقية أوسلو عام 1993 لتقلب المعادلات في المنطقة بعد الانهيار التاريخي للاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية الداعمة للجبهة الشعبية، ثم جاء انهيار النظام اليمني الجنوبي، كل ذلك فرض على الجبهة معادلات جديدة لم يكن سهلاً على د· جورج حبش أن ''يهضمها'' أو يتأقلم معها، فدعا إلى مؤتمر عام للجبهة في دمشق صارح فيه رفاقه بأن المرحلة لم تعد مرحلته، وأن عليهم أن يختاروا قائداً غيره، ليتفرغ لكتابة مذكراته، ويخلد إلى استراحة المحارب في رعاية شقيقه ''أُدولف حبش'' في العاصمة الأردنية· قال لرفاقه وقد دعوه للعودة إلى فلسطين بموجب اتفاقية أوسلو: لا أستطيع عبور الجسر تحت الراية الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه أقول لكم: اعبروا·· وجربوا البراغماتية الجديدة، فلكل زمان دولة ورجال· عبر نائبه أبوعلي مصطفى الذي حل محله أميناً عاماً للجبهة، ولم يكد يستقر في رام الله حتى اغتالته طائرة صهيونية بتدمير مكتبه على من فيه! ولكن الجبهة نهضت من تحت الرماد، واختارت خليفة آخر هو الأسير ''أحمد سعدات'' الذي نعى الزعيم التاريخي للجبهة من سجنه، كما نعته الرئاسة الفلسطينية، وحكومة هنية، وكل المناضلين الفلسطينيين· جورج حبش الذي لم يتفق معه كثيرون أيديولوجياً، ولا سياسياً، يسجل له أنه ترجل عن الزعامة طوعاً، وأنه اعترف بأخطائه، وأخطاء الجبهة في خطف الطائرات، وأنه حافظ على استقلالية الجبهة عن الأنظمة العربية، قدر ما تسمح به السياسة، ولا يتعارض مع المبدأ، وعندما اكتشف الفرق الشاسع بين النظرية والتطبيق وصعوبة العبور التصالحي إلى فلسطين، لم يعبر، ولم يمنع رفاقه من العبور· ولست أدري إذا ما تمكن من إنهاء مذكراته في السنوات العشر التي قضاها بين بيروت ودمشق وعمان، بين المرض والإقعاد، وتلك العصا التي يتوكأ عليها، وليس له فيها ولا في الحياة مآرب أخرى، فقد خرج من اللد، وظل مخلصاً للقضية، ولم يعد إليها، كما عاد مرة تلميذه غسان كنفاني إلى حيفا·· أيها الحكيم نعيك·· نعي الرجال التاريخيين الذين قلما يتكررون·· أينما كانت وجهتك···· تبقى فلسطين جنتك·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء