صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

كل الكائنات مستنيرة ما عدا الإنسان

الإنسان هو الكائن الوحيد في العالم، فقد استنارته، منذ أن انفصل عن لحظة الوجود وانكب يمضغ، حثالة التفكير، في الماضي والمستقبل. الزهرة في الحديقة، والطير فوق الشجرة، والأرنب في البرية. هذه كائنات جميلة، ورائعة، لأنها بريئة، ولم تفقد رونقها بفعل التفكير بالرغبات، والصراعات، والاختناقات المرورية، وفي المراكز المزدحمة. عندما يشتد الزحام في العقل، يزداد الظلام، ويفقد الإنسان استنارته.. الإنسان ضحية عقله، الذي دوماً يبحث عن مكان له في الغابة، والغابة مسكونة بالضواري، كما هي تضم فئة من الحملان الوديعة. ولكن هل يسكت العقل؟ وهل يسكن له قرار؟ بالطبع لا لأن العقل يستمد وجوده من الحيز الذي يشغله في هذا الكون. ولكي يأخذ العقل حيزه لا بد له أن يقارع، ويصارع، ويسارع، في القبض على الفكرة المناسبة، كي لا تفلت منه ويضيع الهدف. مشكلة العقل مع الأهداف. الأهداف قد تبدو حقاً مشروعاً بالنسبة للفرد، لكنها لا تبدو كذلك بالنسبة للآخر الذي يشاركه في المكان، والزمان. النساء أكثر، شجاعة وبداهة، ونجاحاً من الرجال، لأنهن أكثر تمسكاً باللحظة، لأن اللحظة مرتبطة بالقلب لا بالعقل، ونبضات القلب أسرع، من ومضات العقل، الأمر الذي يجعلهن متفوقات في اتخاذ القرارات الصعبة التي يعجز الرجال عن اتخاذها. عندما يتخلص الفرد من الضجيج، يصبح الأمر سهلاً للوصول إلى منطقة الضوء، هذه التي يسميها حكماء الشرق بالاستنارة، وكلما لامس الفرد شغاف الضوء، كلما وصل قاربه إلى الشاطئ بسلام وكلما تخلص من ملوحة الأفكار المسبقة، مشكلة العقل مرتبطة بتمسكه المميت بالأسئلة، وطبيعة أسئلة العقل هي شكية، ممتلئة بالريبة، والهواجس، وكائن متوجس لا يصفى عقله وكلما ازداد الإنسان غشاوة في الداخل، كلما اضطر إلى الخروج إلى المحيط الأوسع، ولكن الخارج غير مهيأ لاستقبال هذه الكمية الهائلة من الأسئلة، وبالتالي يضطر الإنسان، للانكفاء إلى الداخل مرة أخرى، وهكذا يدور حول الحلقة المفرغة، وسط الظلام في حين يبقى الضوء في منطقة أخرى، وهذا ما يطلق عليه العلماء بالاستنارة. وما يحدث في العالم اليوم، هو وجود هذه العتمة، التي انغمس فيها العقل ظناً منه أنه يستطيع، إضاءة مكانه بالتفكير ويستمر بالتفكير حتى الفقدان. الإنسان يفكر في الموضوع الخارجي، إلى درجة فقدان السيطرة على العقل، ومن ثم غياب إدراك الكينونة. فإما أن تعيش اللحظة، أو تفكر. أن تعيش اللحظة، يعني أن تكون. وأن تفكر وتفكر فيها يعني أن تفقدها. Ali.AbuAlReesh@alIttihad.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء