تخيل نفسك مستعجلاً، أو أنك ذاهب إلى موعد مهم ينتظرك بشغف كما تتوخاه بلهف، واحتجت أن تعبئ سيارتك بالبنزين، وشاءت الظروف الحالكة أن تتوقف عند محطة من هذه المحطات، فإذا بطابور يبدأ ولا ينتهي، وأمام حشد من السيارات يقف أحدهم، من ذوي الدماء الباردة، فعليك أن تنتظره حتى يخرج المحفظة من جيبه، ثم يعد النقود، ثم ينظر إلى شاشة العداد، ثم يناقش الرجل الواقف بجواره في خشوع، ثم يفتح الباب ويذهب ليتأكد من الرقم الموجود في الشاشة الصغيرة، ثم يعود إلى سيارته وحتى يفتح المحرك وتتحرك هذه المركبة السحرية تحتاج إلى زمن، ويصادف الأمر أن البعض ممن يقفون خلفك يصعدون من توترهم، ويرفعون من نبرة أبواق سياراتهم، وتصبح القضية قضية كائن بشري يمارس البرود الأخلاقي إلى درجة التجمد مما أذاب جليد الآخرين، وأحرق دماءهم، وصهر أعصابهم.
- تخيل نفسك في الشارع في أمان الله، والسرعة التي اخترتها لا تتجاوز الثمانين كيلومتراً في الساعة، والشارع واسع، شاسع، لا تسير فيه النملة ولا تطير حوله الذبابة، فإذا بأحدهم، وهم كُثرٌ، يسير بسرعة تتجاوز سرعة طائرة تسبق الصوت يمر بجوارك، ينظر إليك، ثم يتردد بعد فترة ويخفف من سرعته حتى تحاذيه ويحاذيك، ويفتح زجاج النافذة، فينهرك قائلاً: يا أخي أنت نائم.. أسرع “شوية” عرقلت السير وكدت أن أصدمك.. تنظر إلى هذا الإنسان تتأمل وجهه، وتتحسر على شبابه، ولا يخطر في ذهنك إلا فكرة واحدة، وهي فكرة الموت، وتتحسف على هذا الإنسان، وتتمنى له العقل والرزانة، وتدعو له أن يحفظه الله من أي سوء. فالسرعة لا تعني النباهة ولا الشطارة ولا التفوق على الآخرين بشيء، بل هي الطريق السريع المؤدي إلى الهلاك والضياع.. في لحظة تهور يظن البعض أنهم يمضون على ظهور كائنات فضائية فيستقلون هذه السيارات، وبأعصاب متوترة يسيرون بسرعات تفوق الخيال ما يؤدي إلى حوادث مؤلمة ومفجعة تهلك وتفتك وتسفك، وبعدها لا يفيد الندم.
- تخيل نفسك تقف أمام أحد المطاعم أو المخابز فأودعت سيارتك في المكان الآمن، ثم تعود وتجد أحدهم وقد أوقف سيارته خلفك وأقفل المحرك والأبواب وذهب إلى حيث يشاء، وبعد مضي زمن تكون أعصابك غرقت في وحل التوتر يعود أخونا قائلاً بابتسامة باهتة “آسف” ثم يسرج جواده ويذهب بعيداً وكأنه لم يفعل شيئاً.. هذه عجائب وغرائب نجدها في كل يوم.


marafea@emi.ae