سمع بعضنا الحكمة القائلة «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً». ولكن هل نعي القصد منها، أم أنَّها تمر علينا مرور الكرام، وبعد فوات الأوان، نتيقن المغزى منها، ونعض أصابع الندم على ما فات ؛ فكثيراً من الأوقات تأخذنا «سكينة» الحياة الحادة بملذاتها ونتوه ونلهى، دون تدبر أو حتى تحسب لغدر الزمان، كأننا متأكدون أن اليوم سيمر كالأمس، والمستقبل سيمر كالغد وهكذا، فلا نعد العدة لها، بل ننتظر تدابير الأيام لنا، وتسيرنا كما تشاء، فنصبح كهؤلاء الملوك الذين ألهتهم متعة الدنيا الى الهلاك، فمنذ زمن طويل كانت هناك مدينة يحكمها ملك، وكان أهل هذه المدينة يختارون الملك بحيث يحكم فيهم سنة واحدة فقط، وبعد ذلك يرسل الملك إلى جزيرة بعيدة حيث يكمل فيها بقية عمره، ويختار الناس ملكاً آخراً، غيره وهكذا. أنهى أحد الملوك فترة الحكم الخاصة به وألبسه الناس الملابس الغالية وأركبوه فيلاً كبيراً، وأخذوا يطوفون به في أنحاء المدينة، قائلين له وداعاً. وكانت هذه اللحظة من أصعب لحظات الحزن والألم على الملك وجميع من كان قبله؛ وبعد نقله إلى الجزيرة البعيدة، وخلال عودتهم اكتشفوا إحدى السفن التي غرقت منذ وقت قريب، ورأوا شاباً متعلقا بقطعة من الخشب فأنقذوه وأخذوه إلى بلدتهم، وطلبوا منه أن يكون ملكاً عليهم لمدة سنة واحدة، ولكنه رفض في البداية ثم وافق بعد ذلك. وأخبره الناس عن التعليمات التي تسود هذه المدينة، وأنه بعد مرور 12 شهراً سوف يحمل إلى تلك الجزيرة. بعد ثلاثة أيام من تولي الشاب للعرش سأل الوزراء امكانية رؤيته للجزيرة، فأخذه الوزراء إلى الجزيرة، ورآها وقد غطت بالغابات الكثيفة وامتلأت بالحيوانات الشريرة، ووجد جثث الملوك السابقين ملقاة على الأرض، وفهم الملك القصة بأن الحيوانات المتوحشة قتلتهم. عندئذ عاد الملك إلى مدينته وجمع 100 من العمال الأقوياء، وأمرهم بتنظيف الغابة، وإزالة جثث الحيوانات والملوك السابقين، وإزالة قطع الأشجار الصغيرة، وكان يزور الجزيرة مرة في الشهر ليطلع على سير العمل، وكان العمل يتقدم بخطوات سريعة خلال شهرين، ثم أمر الملك العمال بزرع الحدائق وتربية بعض الحيوانات المفيدة مثل الدجاج والبط والماعز والبقر الخ... وفي الشهر الثالث أمر العمال ببناء بيت كبير ومرسى للسفن. وبمرور الوقت تحولت الجزيرة إلى مكان جميل، وقد كان الملك ذكياً فكان يلبس الملابس البسيطة، وينفق القليل على حياته في المدينة، في مقابل أنه كان يكرس أمواله التي وهبت له في إعمار هذه الجزيرة؛ وبعد 12 شهراً جاء دور الملك لينتقل إلى الجزيرة، وألبسه الناس الثياب الفاخرة، ووضعوه على الفيل الكبير قائلين له وداعاً أيها الملك. ولكن الملك على غير عادة الملوك السابقين كان يضحك ويبتسم، وسأله الناس عن ذلك فأجاب بأن الحكماء يقولون «عندما تولد طفلاً في هذه الدنيا تبكي بينما جميع من حولك يضحكون، فعش في هذه الدنيا واعمل ما تراه حتى يأتيك الموت، وعندئذ تضحك بينما جميع من حولك يبكون». فبينما الملوك السابقون كانوا منشغلين بمتعة أنفسهم أثناء فترة الملك والحكم، كنت أنا مشغولاً بالتفكير في المستقبل، وخططت لذلك وقمت بإصلاح وتعمير الجزيرة، وأصبحت جنة صغيرة يمكن أن أعيش فيها بقية حياتي بسلام. Maary191@hotmail.com