لا أدري لماذا وإلى متى سيظل الكاتب في العالم العربي في وضع المتهم، كلما أبدى رأياً أو قال جملة لا تعجب أحدهم أو لم يستسغها - وبعبارة أكثر دقة - لم يفهمها ولم يقرأها قراءة صحيحة؟ وهو - هذا الكاتب الذي شاء له حظه العاثر أن يتعاطى الكتابة في المناخ العربي المتقلب أبداً والمتأرجح على طول الخط في المسافة اللامتناهية بين الدين والسياسة وسوء النوايا. عليه أن يتحمل كل يوم تهمة وكل لحظة شبهة لم تخطر على باله يوماً، وحتى مع إيمانه بحرية الرأي والتعبير ورغبته في أن يتمكن كل الناس ذات يوم أن يقولوا ما يشاءوا دون رقابة أو محاسبة إلا أنه يكره هذه الحرية أحياناً حينما يعتقد البعض أن من الحرية أن يقرؤوا نوايا الكاتب ويحملوها على المحمل الذي يريدون وأن يتهموه بما يتصورون ويتخيلون. في الحقيقة هناك أشخاص عليهم أن يعيدوا النظر في طريقة قراءتهم للكتب والمقالات والروايات والأفكار، وإلا فمن الأفضل أن يتفرغوا لقراءة الفنجان والكف وأوراق اللعب!!
إذا كتبت تمجد حرية الرأي والتعبير التي هي حق وواجب ومقياس من مقاييس التحضر الإنساني في كل الدنيا، اتهموك بأنك ليبرالي مع أنها ليست تهمة فهذه منهج ونظرية وإحدى آليات المجتمع الغربي في تعاطيه مع السياسة والثقافة والتاريخ.
وإذا اطلعت على الأفكار التي تعج بها الساحة العربية اليوم لتعرف اتجاهات البوصلة وتقرأ على بينة لتكتب على نور فأنت إما إخواني أو شيوعي أو لا وطني أو لا ديني أو ربما من قبيلة أبو لهب.
وإذا دعوت للتسامح واحترام أفكار الآخرين الذين يقاسموننا العيش في المجتمع بسلام كما يقاسموننا الهواء الذي نتنفس فإن دينك مشكوك فيه، إذ عليك أن تقول بلا هوادة: هؤلاء.. أخرجوهم من جزيرة العرب. أما إذا تحدثت عن موقف مررت به في بداية مقالك لتعبر من خلاله إلى الفكرة الرئيسة التي تود أن تطرحها لتضيء لنفسك وللناس شمعة بدل أن تلعن وتدعوهم للعن الظلام، اتهموك بأنك تستغل الصحيفة والعمود لأغراضك الشخصية وهنا تصير وطنيتك على المحك!
لدى بعضنا شهية مفتوحة على توجيه التهم والتشكيك في النوايا، يظنون أنها الطريق الأقصر للتعبير عن أنهم هم المتدينون الوحيدون وهم الوطنيون وهم الحريصون على الوطن ومصالحه وثرواته، أما أنت فوصولي إخواني ليبرالي لا ديني شيوعي وكل التهم دفعة واحدة.
حتى وإن كتبت في حياتك آلاف المقالات في شؤون الوطن وقضايا المواطن وشهد لك القريب والبعيد على أنك تحاول أن تقول كلمة حق لأجل هذا الوطن الذي تحب وهذا المواطن الذي هو جزء منك، فما بال بعض الناس وما مشكلتهم مع الكاتب والشاعر والروائي والصحفي والأديب؟
أعلم أنها حالة عربية بامتياز، وذات جذور تاريخية ضاربة في عمق الذهنية العربية، لكن هل صار قدراً علينا أن نظل نخوض في هذا المستنقع طويلاً؟
ألم نتعلم ونمحو أمية هذا المجتمع ونبذل الجهد والمال لنوفر التقنيات ونكون في عمق الثورة التكنولوجية والمعرفية لنرقى بعقولنا، ألم نسابق غيرنا ونفوز في ميدان الثقافة والجوائز الأدبية والصحفية لنعلو على شرطنا البشري، ألم نحقق إنجازات لا نظير لها كمّاً ونوعاً في مجالات جديدة تخص ريادة الأعمال وتشجيع الشباب ورفع مكانة المرأة عالياً. إذن لماذا يصر البعض على تشويه ذلك وعدم توظيفه بشكل جيد؟ فإذا كانوا يفعلون ذلك بحسن نية كما يقول البعض، فإننا نعرف أن الطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة، أيضا إن لم نكن واعين ومنتبهين جيداً، وأن علينا التفكير كثيراً قبل أن نحلل دم الكاتب لإثبات فصيلة ولائه ودرجة تدينه.
فالولاء والتدين والأيدلوجيا وغيرها لا تحتاج لتحليل دم، بل إلى قراءة التاريخ وبشكل صحيح وموضوعي!


ayya-222@hotmail.com