عرفت صبحي غندور قبل أكثر من ثلاثة عقود، مفتوناً بالبحث في، وعن ما يمكن تسميته متلازمات الفكر العربي. كانت فتنته هذه تأخذه باستمرار إلى اكتشافات جديدة. يشذبها، ويبلورها، ويصيغها في ثنائيات، وثلاثيات، وأحياناً خماسيات، فيكتب ويستفيض شارحاً ومدققاً وداعياً إلى ما يؤمن به، ويلخصه بقلمه، إن “في الأمة العربية مزيج مركب من هويات “قانونية” (الوطنية)، و”ثقافية” (العروبة)، و”حضارية” (الدين). وهذا واقع حال ملزم لكل أبناء البلدان العربية، حتى ولو رفضوا فكرياً الانتماء لكل هذه الهويات أو بعضها”. بمثل هذا الإيمان والوضوح لم يضيّع صبحي غندور بوصلته. ففي صيف الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، ضمنا خطر واحد وملجأ واحد. كان اليأس يتسرب خفية أو علانية إلى دواخل من اختاروا الوجود في هذا المكان. فلصواريخ الطائرات وقذائف المدافع فعلها المدمر في البنيان والنفوس.. إلا في نصوص هذا الكاتب التي تبشر بمستقبل مضيء مهما ادلهم ليل الحاضر. كان العنوان العريض الذي يكتب في سياقه هو: الفكر والأسلوب. وتحت هذين المفهومين تتفتح عنده آلاف المعاني، و”يخترع” عشرات المهمات التفصيلية ،لكي يبرهن على تلازم الأسلوب مع الفكر في العمل والتطبيق. بهذه الروحية هاجر صبحي غندور في أواخر الثمانينات من القرن الماضي إلى الولايات المتحدة، فأطلق صحفا عربية في عدة ولايات قبل أن يؤسس مجلة “الحوار” في العاصمة واشنطن باللغتين العربية والإنجليزية. بعدها بسنوات قليلة سوف يضمنا مصادفة مقهى لندني، لكي يحدثني عن مشروعه المستقبلي. راح يتحدث كالرائي في حلم، وهو ما لم يفعله أبداً في سنوات نضاله الأولى. كان في بيروت يتحدث أو يتحرك وفق معادلات رياضية، لا تفصح عن حلم وإنما تقدم جدول أعمال. فسّرت الأمر لنفسي يومها، بأن مفاعيل الغربة ربما تكون أقوى من مفاعيل الإجتياح الإسرائيلي. ورحت عن بعد أتابع هذا الحلم، عندما تحول إلى مركز الحوار العربي كمنتدى فكري وثقافي في واشنطن، بنشاطاته المتواصلة التي تجمع أعيان الفكر العربي من مختلف الاتجاهات والاختصاصات لكي يختلفوا ويتفقوا بحثاً في ، وعن الفكر والأسلوب. ومع المركز انطلق موقع إلكتروني ناشط يقيم صلة وصل بين المهتمين. ثلاثية أخرى من ثلاثيات صبحي غندور. قبل أيام ضمنا، مصادفة أيضاً، مقهى بيروتي. ولم يفاجأني وهو يقدم لي كتابه الصادر حديثا بعنوان “الفكر والأسلوب في مسألة العروبة”. قرأت الكتاب غائصاً في تلك المتلازمات الفكرية التي درج المؤلف على صياغتها، منذ زمن بعيد. وهي في كتابه الجديد تبدو جديدة، أو كأنها اكتسبت جدتها مما تشهده الساحات العربية حالياً، وهو مكمن الرؤية التي تحدث عنها عندما كانت بيروت تحت حراب الاجتياح. من الوطن، ومن المهجر، يكثف صبحي غندور جهده من أجل قضية واحدة هي قضية العروبة. وهي عنده العروبة المتكاملة مع الوطنية،الحضارية، الديمقراطية وهو يجد أن معادلة الواقع الراهن للعروبة تقوم على: العروبة = انتماء لأمة واحدة (زائد) مضمون حضاري مميز متصل بالإسلام (ناقص) وحدة كيان سياسي. وهذا يعني فوارق بين العروبة والعربية، وبين العروبة والقومية، وبين العروبة والوحدة العربية. تستاهل مثل القضايا كتبا كثيرة، وأن يرصد صبحي غندور عمره من أجلها في الوطن والمهجر.. لكنه في لقائه الأخير، كان يراوده حلم آخر: أن يعود في رحلة عكسية إلى الوطن، وهو أفصح دون أن يقول إن رحلة الهجرة كانت أسهل. adelk58@hotmail.com