عندما تغوص قدمك في الوحل، فإنك من السهل انتزاعها ثم غسلها لتعود كما كانت عليه في السابق، ولكن عندما يغوص رأسك في الوحل فإنك من الصعب انتزاعه، لأنك تكون في هذه الحال قد انقطعت أنفاسك ومت خنقاً. في منطقتنا، في قارتنا الصغيرة، الكثير من الرؤوس تنغرس في أتون أوحال وأحوال لا تسر، رؤوس قيض لها أن تصبح مثل كرات الثلج تذوب وتذوب تحت سياط حرارة لاهبة من الكذب وخداع النفس. مشاهد مزرية نشهدها كل يوم تحت قباب برلمانات، معارضون وموالون، يتشاجرون ويتشابكون بالأيدي، ويتقاذفون السباب، وكل طرف وثق ثقة عمياء أنه امتلك الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، واتهم الآخر بالزيف والتخريف، ولكي يرحم من وصمة التهم الموجهة إليه، فعليه أن يعود إلى جادة الصواب، وينضم إلى الطرف الضد. شعوب في عالمنا الثالث تنام تحت لحاف الفقر، وتتدثر بالجهل، وتتوسد المرض، والإخوة الأعداء في برلمانات الديمقراطية الكاذبة يتعاركون ويتناطحون، ويتسابقون لتقديم الولاء والطاعة لمفردات ومصطلحات حفظوها عن ظهر قلب، ولم يستطيعوا التخلص من قشورها الناتئة. الديمقراطية وسيلة وليست غاية لتحقيق أماني وآمال الشعوب، وإذا لم تجد نفعاً في الجدوى من اعتبارها الديمومة والناموس. نقول كل المبادئ والقيم والنظريات والمعتقدات جاءت لإسعاد الإنسان وتعمير الأرض، وإذا صارت هذه المبادئ طوفاناً يجرف البشر والشجر والحجر، فإنها بلا معنى ولا جدوى من ارتكاب الإنسان خطيئة التفاحة المشؤومة. في الأساس المعاش وليس الشعارات، وفي البدء المضامين وليس مساحيق التجميل، ومقياس التقدم في أي بلد يعتمد على ما تقدمه للإنسان من أولويات مقتضيات الحياة، وما يحظى به هذا الإنسان من مكانة عالية في التعليم والصحة والغذاء والمسكن وحرية البوح دون كذب، أو تهريب للثوابت.
في كثير من بلاد العالم الثالث ديمقراطيات وبرلمانات وانتخابات، وعندما تنظر إلى الإنسان في هذه البلاد فإنه لا يزال يعيش حياة القرون ما بعد الجمع والالتقاط، أكواخ عند ضفاف الأنهار الملوثة، ووجوه سحقها التعب، ونساء خرجن من كهوف الشقاء، يسحبن خلف ظهورهن أطفالهن الرضع، تستعجب وتقول خير الكلام ما قل ودل، وخير الأوطان ما اختصر الطريق، ومن دون نباح أو نواح، وأعطت كل ذي حق حقه، وأسعدت الإنسان وجعلته في مقام النجوم، وقامة الأقمار، وجعلت من الأوطان باحة وواحة ينعم بها الناس أجمعين، دون تفريق أو تمزيق، أو هرطقة لا تثمن ولا تغني... أوطان تصالحت مع نفسها وحققت ما لم يستطع الآخرون تحقيقه بالكلام المباح وغير المباح. أوطان ألهم الله أهلها بعقل بلا وحل، فسارت نظيفة خفيفة، تستحق الحياة والمجد، وتستحق أن تكون وطناً للألوان الزاهية، والمشاهد الراقية... ولك المجد دائماً يا إمارات.


marafea@emi.ae