يواصل الشاعر اللبناني عباس بيضون كتاباته المتسمة بالتجريب المستمر، ومحاولة تكريس قصيدة نثر ذات لغة مغايرة لا تركن إلى البلاغات المستهلكة والمعالجات الغنائية، فيكون الشعر هو المركز جاذبا إليه تبسط النثر وأجواءه وإيحاءاته وإيقاعاته، ولكن بعد تكييفها شعريا وتخفيف طبيعتها المباشرة· قصائد الديوان تتوزع في أبواب ثلاثة أو كتب شعرية رئيسة وتحمل عنوانا ملغزا هو (ب·ب·ب) التي سيعرف القارئ أنها تشير اختصارا إلى المدن الثلاث في الديوان التي تبدأ بالباء: باريس - برلين - بيروت، والتي تدور فيها وحولها وعنها الأقسام الثلاثة: كفّار باريس، فصل في برلين، دقيقة تأخير عن الواقع - أبواب بيروتية· وإذا أضفنا باء بيضون إليها يتحصل مربع حروفي لافت· في الديوان أكثر من قضية تتصل بخطاب قصيدة النثر كصلتها بالسرد، وموقع الأنا أو الذات فيها، والبعد - أو الاقتراب - عن الموضوع، والمكان وتمثيله شعريا، واللغة بتغيراتها في المفردات والتراكيب والرؤى الممثلة لغويا، باعتبار أن قصيدة النثر تتنازل عن الخطابية والمباشرة والاجترار، وتجافيها، لخلق لغة تعادل الشحنات الشعورية التي تولدها إيقاعات قصيدة النثر وبنائها العام· يشكل المكان والسرد عنصرين بارزين في تجربة عباس بيضون منذ قصائده الأولى كقصيدته الطويلة ''صور''، لكنه هنا يُسقط ذاته في لحظة ظاهراتية فريدة ليتمثل الأمكنة الثلاثة لا بكونها فراغات فضائية أو مشاهد بصرية أو امتدادات لرواسب حضارية أو مظاهر مدينية معاصرة بل كما تنعكس في الوعي وما يرتبط به من وقائع ومشاهد، لعل أكثرها توليدا للنصوص العيش فيها والغربة والألفة وتداعياتها والإطلالات الممكنة على الأشياء أو عبرها، وهنا أحيل إلى قصيدته ''نافذة في قطار'' وهي الحادية عشرة في تسلسل قصائد برلين المحاطة بالجو الشتوي والوحدة والأنس الممكن بالطبيعة خارج القطار، ولكن لتأمل حزين لمصير الشجر والعصافير التي غابت عنها، وما تسمح برؤيته نافذة القطار التي ينظر منها (إلى العالم)· تحيل كثير من الملفوظات النصية على مراجع فاعلة في تجربة بيضون: كفار باريس لبيضون وضجر باريس لبودلير، فصل في برلين لبيضون وفصل في الجحيم لرامبو، القصيدة القائمة على تكرار بوتسدام في ختام أغلب أبيات قصيدة ''ساحة بوتسدام'' لبيضون: الرعب ملاك في ساحة بوتسدام/ القدر ساعة فوق ساحة يوتسدام/ قراصنة المستقبل ليسوا أول من يصل إلى بوتسدام··· وقصيدة ''تحقيق الهوية'' للشاعر الألماني أنتسنسبيرغر حيث يختم كل بيت فيها بكلمة دانتي: هذا ليس دانتي/ هذه صورة دانتي/ هذا فيلم يلعب فيه دانتي دور دانتي/ هذا رجل يحلم بدانتي···· ديوان عباس بيضون توثيق للوعي بالمكان ورؤية الذات في أدق لحظات تجليها مندغمةً بوحدتها ووعيها بما حولها، مع الإفادة من السرد واسترسال النثر غير المؤطّر بلوعاتٍ ضاجّة أو ندب مباشر