إذا لم نتفاءل فنحن متشائمون، هكذا نعتقد جميعاً، ولكن ألا يمكن أن نكون موضوعيين في توجهاتنا، ألا نحصر أنفسنا في المنطقة الوسطى التي سماها البعض بـ”التشاؤل”، ألا يكفي أننا نسكن المنطقة الأكثر التباساً وسخونة الشرق الأوسط، هل يجب ألا نغادر الوسط أبداً لنأمن سلامة أنفسنا وأرزاقنا؟ البعض يتباهى بمسألة الوسطية باعتبارها خير الخيارات، والبعض يعتبرها أسلمها، فمسك العصا من الوسط شطارة وإنقاذ في السياسة والعلاقات الإنسانية وفي كل الحياة، بينما يقول البعض إن أنصاف الحلول كوارث.. أنصاف الطرق حرائق، ونصف الحب مقتلة ونصف الرجل يمكن أن يكون امرأة!
فما بالنا في الشرق الأوسط نرتجف خوفاً مما يحدث حولنا؟ ما بال الكثيرين يرفضون تجليات الثورة الرقمية تحت دعاوى الاختراق والغزو و.... ؟ لماذا يراها البعض مرحلة انبهار ستزول، وأنها ليست كل الحقيقة لنمنحها كل الثقة، وأن علينا ألا نفتح أفواهنا دهشة حيالها؟ هل يعتقد هؤلاء المتشككون والمشككون في إعلام التواصل الاجتماعي الجديد أن العالم سيعود كما كان قبل الأونلاين والإيميل والفيسبوك والتويتر؟ لا أظن ولا أتخيل، ليس لي مصلحة في أن أتخيل ذلك، ولم يثبت يوماً أن البشرية سارت إلى الوراء يوماً.
المسألة لها علاقة بأمرين: الخوف وعدم الثقة أولاً، والصراع ثانياً، والصراع يدور على محورين: صراع الأجيال وصراعات المصالح، فالجيل الذي لا يتعامل بالتقنيات الحديثة لأنه لا قبل له بالتزاماتها أو لأنه لا يثق بها أو لأنه لا يملك الشغف بها وبتعلمها حتماً سيظل في معركة دائمة ضد الجيل الذي وجد لأصابعه وظيفة جديدة تماماً، وهي العزف طيلة النهار على أزرار البلاكبيري والآيفون وكيبورد الكمبيوتر أو الآيباد، لا مجال لفك الاشتباك والانتقاد اللاذع والرافض سوى بحل واحد، إما الاعتراف بهذه التقنيات أو الانسحاب من الساحة بطيب نفس.
إن انسحاب الجيل الأكبر عمراً والرافض لسطوة التقنية ونفوذ إعلام التواصل الجديد ليس سهلاً على مجمل النسق الاجتماعي، إنه لن يفعل شيئاً أخطر من تزايد الفجوة بين الأجيال، وتزايد تراكمات القطيعة بين الشباب وجيل الآباء والأجداد، تلك الفجوة لها انعكاساتها الكبيرة على منظومة القيم ومفاهيم الهوية والانتماء والثقافة المحلية التي لا يكرسها ولا يعززها ولا يعتني بنقلها إلا الكبار، وعليه فإن هذا الخيار صعب حتى لا نقول خطأً فادحاً!!
مع ذلك، فنحن لا نتحدث عن زمن سيأتي بعد يومين أو شهرين، نحن نحاول أن نستشرف زماناً قادماً بكل حتمياته، حتميته التكنولوجية والاقتصادية والثقافية، وأن أدواته موجودة بين أيدينا اليوم، ولا بد من تفكيك شفرتها، لا إلى رفضها أو التشاؤم في النظر إليها أو تقييمها على أنها مؤامرة ضد المجتمع والقيم والأخلاق، المؤامرة تمت - لمن يرتاح لهذا النوع من التفكير - والسؤال ماذا بعد المؤامرة؟
نحن نعيش زماناً مختلفاً بكل المقاييس، ومقبلون على زمن أكثر اختلافاً، مسألة رفضنا أو قبولنا يجب أن يكون مبنياً أو مرتكزاً على بدائل، فهل لدينا بدائل أو خطط بديلة؟ إذا لم يكن فنحن نرفض للرفض وهذا ليس حلاً، إنه الصراع على قاعدة المصالح، كما يفعل كثير من أصحاب المؤسسات والإعلاميين التقليدين الذين يرون في الإعلام الجديد تهديداً لسلطاتهم ونفوذهم ووجودهم أحياناً، الموضوع مطروح للنقاش، وقد تحول إلى جدل حقيقي، فبأي حجج سنواجهه؟


ayya-222@hotmail.com