بعد أن خفقت قلوب الملايين من البشر في أثناء وأعقاب مباريات كأس العالم، والتي كان للأخطبوط الألماني بول الباع والذراع في تحديد الفائز في هذا الكأس النبيل، والذي كان محط أنظار كل من تابعوا ولاحقوا، وطاردوا هذا الكأس، كان بول الكائن الخفي الذي يهب هذا الفريق الفوز ويقصي ذاك بحكمة فطرية لا يعلمها إلا الذين آمنوا بالخرافة والقوى الخارقة.. واليوم ينتقل شبيه بول إلى أستراليا تحت مسمى “كاساندرا”، ولكن بصورة أكثر اتساعاً في الحدقة فكاساندرا، يتنبأ بفوز رئيسة الوزراء الأسترالية جوليا جيلارد في انتخابات 21 أغسطس المقبل.
وكما صدقت نبوءة بول فإنه لو صادف وأن تحققت تأشيرة كاساندرا، ونجحت جوليا، فإن العالم المتطور عالم المادة سوف يتحول رأساً على عقب إلى عالم، روحي خفي خرافي، وسوف ينفخ قادته وسادة فكره ورأيه، في بوق الأيام السود لطرد الأرواح الشريرة، وسوف تعزف الجماهير الغربية نشيد الحب في عيد الحب، على أحلام الفرح تخلصاً من الشياطين التي تسكن بقاع الأرض وتنشر الرذيلة، وقد يتطوَّر الأخطبوط من كائن بحري صغير إلى كائنات أخرى أشبه بالتي نراها في الرسومات الفرعونية، وأشكال الهندسة البوذية، وسوف يقوم المفكرون في الغرب بدور الكهنة، وعبدة الشمس والنجوم.
ماذا يعني بول وكاساندرا؟.. سؤال يفتح علامة استفهام واسعة، حول عجز الإنسان المادي، عن تفسير الروح، والماورائية التي أضحت مؤثرة إلى حد نبش قبور الذين ذهبوا بعيداً، ولجوا عميقاً، واصطدموا بالخدعة البصرية.. الإنسان بحاجة ماسة إلى فهم الظواهر الطبيعية فهماً علمياً وتفسيرها منهجياً بعيداً عن مشاعر الأمس، وعواطف ما بعد التقاعس العلمي.. الأخطبوط بول وكذلك كاساندرا قد ينجحان وقد يفشلان، وهذا لا علاقة له، بمعرفة ما يدور في الماورائية.. يقال إن المصادفة هي نتيجة لالتقاء سلسلتين من الحتمية، فلماذا لا نحاول تحقيق الذات من خلال الدراسة الموضوعية لكل ما يحيط بالإنسان من ظواهر طبيعية، وما يتم في واقعه من نشاطات إنسانية لا علاقة لها بتكهنات بول أو إشارات كاساندرا.. فالإجادة في الفعل والعمل ليست مرتبطة بما يحمله من طيات الكون الخفية، بل هي وثيقة الصلة بما يجتهد من أجله الإنسان.
إسبانيا فازت لأنها عرفت كيف تقطف الثمار من الشجرة السامقة، وغيرها انهزم لأنه وقف مشدوداً باتجاه الأثمار، من دون أن يبذل ما يستحق لأجله النجاح.. فالنجاح بحاجة إلى قدرات ومهارات، وقبل كل هذا فن تطبيق النظرية على الواقع.. الإسبان نجحوا ليس بفضل نبوءات بول ورئيسة وزراء استراليا لن تنجح بقدرة كاساندرا، وإنما بقدرتها على إقناع الناس، وبما ستقدمه من أجندة سياسية تخدم مصالح الناس الذين سينتخبونها.. نبوءات بول قد تكون سليمة لوقت ما لكنها عندما تصبح ظاهرة فإنها تستدعي التأمل كثيراً.


marafea@emi.ae