أكثر الفئات الاجتماعية تضرراً من الزيادات المستمرة في الأسعار فئتان: صغار الموظفين والفئات المستفيدة من المساعدات الاجتماعية، وأقل الناس تضرراً - بصراحة وبدون زعل أو حسد - هم كبار موظفي الدولة، الذين لا تنطبق عليهم ولا يعرفون معنى “ المعاناة من وطأة زيادة الأسعار”، فكل زيادة مرفوعة عنهم لأن أغلب الخدمات متوافرة لحضراتهم بالمجان على اعتبارها من مزايا الوظيفة، كالكهرباء والبنزين وخدمات الهاتف وحتى فاتورة البي بي، وتذاكر الطيران وأقساط مدارس الفروخ – أقصد الأولاد – والضمان الصحي و.... الخ .
ليس لدينا اعتراض فالله يرزق من يشاء بغير حساب، وهم يتعبون ويعانون ولذلك فمن حقهم الحصول على كل شيء مجاناً - وكأن صغار الموظفين لا يتعبون ولا يعانون - طبعاً تعب عن تعب يفرق أكيد – لكن ما يحق لنا أن نتساءل حوله هو اذا كان كبار الموظفين يكافحون غلاء الأسعار بمزايا الرواتب العالية ما يجعلهم في منأى عن الغضب والعصبية وآفات القهر والتوتر، فكيف يمكن لصغار الموظفين وغير الموظفين مكافحة الغلاء بحيث نجنبهم – وهذا من حقهم – الآثار الاجتماعية والاقتصادية والصحية المترتبة على الارتفاع المستمر للأسعار ؟
هناك اقتراحان لا ثالث لهما، الأول يرتكز على حقيقة أن ضبط السوق والأسعار مسؤولية الدولة قبل أي جهة أخرى، فهي الوحيدة التي تمتلك آليات التصرف ووسائل القوة والنفوذ، وكما نجحت الدولة بقراراتها وآليات نفوذها في إقرار والحفاظ على حقوق العمال ومرتباتهم حيال تجاوز بعض الشركات الكبيرة، فإنها بلاشك تستطيع أن توقف جشع التجار الكبار أو حتى صغار الموزعين أو ايا كان المتسبب في هذه الزيادات الجنونية للأسعار في سوق الإمارات، دون أن نضع شعار حرية السوق وتحرير الأسعار كعذر ينفي المسؤولية أو يضاعف من تسلط السوق على أرزاق وأقوات الناس .
فالسوق الحر وتحرير الأسعار في نهاية المطاف ليس سوى نظرية أو مبدأ اخترعه الإنسان ليرفع مستوى حياته ،أو اقتصاده، وهو مبدأ معمول به في أرقى التنظيمات في العالم، مع ذلك فإن نظرية الاقتصاد الحر وانفتاح السوق لم تعن يوماً وضع الفقراء وصغار الموظفين تحت مقصلة السوق، ذلك أن لكل نظرية آليات حماية، والدولة هي الجهة الوحيدة المخولة بتطبيق الحماية خاصة لهؤلاء الذين لا يجدون حماية من أية جهة أخرى.
اذن الدولة هي الحل الأول والأمثل اذا استخدمت نفوذها على التجار بالشكل الذي تحد فيه من هذا الانفلات غير المبرر في الأسعار والتي ستنعكس في النهاية على استقرار المجتمع ومستوى أمنه ورفاهيته، خاصة وأن لا شيء يستدعي هذه الزيادة المستمرة، فحتى رفع أسعار المحروقات – السبب المباشر للارتفاع كما يقال - لا يبرر رفع أسعار كل سلعة ابتداء من سعر زجاجة الماء وليس انتهاء بأقساط المدارس الخاصة !
الحل الثاني المطلوب وبالحاح هو رفع سقف مرتبات الموظفين الصغار وزيادة حجم مساعدات الشؤون الاجتماعية، فلا يمكن أن ترتفع الأسعار بهذا الشكل الجنوني وتبقى مساعدات الشؤون محلك سر، لأن الفئات المستفيدة لا حول لها ولاقوة، ذلك أنه من غير المنطقي أن يتسلم أصحاب هذه المساعدات حصتهم في بداية الشهر وهي كل معينهم في الحياة ليجدوا أنها بالكاد تكفي لعشرة أيام فقط، فكيف يقاومون بقية الشهر في ظل جنون الأسعار ؟ مجدداً فإن اللجوء للدولة هو الحل الوحيد لأنها تستطيع دون سواها تقنين الأسعار وايقاف وحش الزيادات بآليات النفوذ التي لا يملكها سواها ؟


ayya-222@hotmail.com