ليس هناك من عدو يبغضه الإنسان مثل النار، ولا صديق يفرحه مثل النار، اكتشفها الإنسان الأول بمحض الصدفة، وبرزق أتاه من السماء، فقدسها وأجلّها، وعدها صديقا محاربا معه ضد أعدائه، واستعملها كمكيدة للحرب، واستعملها لطرد هوام الليل وظلمته، أذاب بها الحديد وصنع سلاحه ودرعه، كما اعتبرها من أقانيم الحياة وجبروت الطبيعة مع الماء والهواء والتراب، ويومها عرف قيمة ما تنضجه ومعنى الأكل الطيب.
لكن النار في وقتنا الراهن، وفي بلدنا وفي صيفنا أصبحت أكثر من عدو، وقد أحصيت عدد الحرائق في مختلف الإمارات هذا الصيف والصيف الذي سبقه، فإذا حوادثها كثيرة، وتكاد تتكرر مع قدوم الحر، وإهمال الناس، وعدم الاستعداد الجيد والصحيح لها، والنار ضحيتها خاسرة في الحالتين في الممات أو في الحياة، لأنها لاتترك شيئاً على حاله، فطبيعتها التشويه وتغيير الشكل!
نعود إلى مسلسل الحرائق الكثيرة، وأسبابها الكثيرة، لكن الذي يهمنا هل نحن فعلاً مستعدون، وبلياقة تامة وبحرفية صحيحة لمواجهتها متى ما اندلعت، نظرياً الكل يقول لك بعد الإشادة بالقائمين، وامتداح المعدات، وجاهزية الأفراد إن الأمور على خير ما يرام، لكن عملياً وفي واقع الميدان الحقيقي، عادة ما تأتي النيران على الأخضر واليابس، ونتكبد الخسائر، ونستحي بعدها أن نمتدح أحداً، لأننا رأينا بأم أعيننا ما هو حالنا حين ترتفع ألسنة اللهب، فقط نبحث عن الأسباب، مهملين النتائج.
أجهزة مكافحة الحرائق أو الدفاع المدني وهو الاسم الأهم والأجمل لأن مهامهم كثيرة في حرب أو سلم، والأفراد العاملون في هذه الأجهزة عليهم أن يتدربوا مثل المغاوير أو وحدات الكوماندوز أو الصاعقة أو القوات الخاصة، لأنهم يواجهون الخطر الأعمى، وهو غير مواجهة جيش منظم أو أناس مارقين أو حوادث شغب، هذه نار، والنار لا تَفّرَق، ولا تُفَرِّق، وقد رأينا في البلدان المتقدمة قيمة هذا الجهاز، ومدى فاعلية أفراده وانتقائهم، وتدريبهم على شتى أنواع المساعدة من الإسعافات الأولية للمحافظة على حياة المصاب حتى وصوله المستشفى إلى التضحية بالنفس من أجل إنقاذ الآخرين، فهم مقاتلون، وسواقون مهرة، ومسعفون، وعارفون بطرق المدينة وعناوينها، لذا يكون يومهم السنوي يوم تكريم ووفاء لهم، وبعضهم يعلق أوسمة الحروب والنياشين الرفيعة بمستوى منقذي الوطن!
نحن في الإمارات، نفرح بالعمارات العالية، لكننا سنفرح أكثر إن قدرنا أن نطفئ النار العمياء قبل أن تشتعل فيها، إجراءات السلامة واحتياطات الأمن ضرورية، وأهمها أن نعرف كيف ننقذ العالقين في الدور الستين والثمانين، مناطقنا الصناعية نتباهى بها، لكن الأجدى علينا كيف نحفظها دون أن تتحول إلى رماد في لحظة عين، فقط أقول ذلك لكي نحول وحدات المطافئ عندنا إلى سلاح الدفاع المدني.. والله والوطن والناس من وراء القصد!


amood8@yahoo.com