كنت أسير في منطقة سكنية أتجول بين بيوتها الفخمة وشوارعها الأنيقة، بدت المنطقة هادئة بينما علا ضجيج البناء هنا وهناك، لاحت لي على مسافة قريبة لوحة إرشادية كبيرة تحوى رسماً تخطيطياً للمنطقة، تفحصتها بإعجاب·· كانت المنطقة تضم مرافق عديدة وحيوية: مدارس، مركزاً صحياً، جمعية تعاونية، محطة بترول والكثير من المساجد، وهذا ما لفت نظري بالفعل، فكل مرفق خدمي يفترض به أن يتناسب مع عدد السكان في المنطقة· إذن لماذا كل هذا العدد الكبير من المساجد في هذا الحيز الصغير؟ أعلم أن الخوض في القضايا التي لها علاقة بالدين وأعمال الوقف والخير يثير حساسية شديدة لدينا جميعاً، لما للدين من قداسة واحترام في دواخلنا، لكننا هنا سنتحدث بهدوء ومنطق، ونبقي الأمر في حيز الرأي القابل للنقاش في نهاية الأمر· هناك ثقافة عامة منتشرة بيننا فيما يتعلق بأعمال الوقف الخاصة ببناء المساجد التي يحلم العديد منا في أن يبنيها عملاً بوصايا السنة المطهرة· لكن لنتساءل عن مغزى الوقف والخير وجوهر الدين كله، أليس هو خير الانسان وكل ما يفيده ويخدمه وينفعه؟ من هنا فإن الإنسان يحتاج في حياته للمسجد أولاً ويحتاج للمدرسة وللمركز الصحي وللنادي الذي يلعب فيه أطفال الحي بدل تسكعهم في المراكز التجارية أو على جوانب الطرق، معرضين أنفسهم لخطر أي حادث طارئ· من هنا تساءلت وأنا أطالع اللوحة التخطيطية للمنطقة: لماذا لا يفكر هؤلاء المحسنون في بناء ناد رياضي لأطفال الحي مثلاً، لأن مشاريع كهذه غالباً ما تغيب عن مخططي المناطق في أغلب بلدياتنا في الإمارات؟ وبينما يبقى الحي طويلاً حتى يحظى بمركز صحي ضروري وسط ظروف المرور الحالية التي تعرقل لجوء الأفراد للمراكز البعيدة عنهم، سيكون من أفضل الأعمال قرباً لله بناء مركز صحي كنوع من الوقف الخيري مثلاً! وكما يحدث عندنا في الإمارات، فإن كثيرين يتسابقون في بناء المساجد ومدارس القرآن الملحقة بها في أنحاء مختلفة من العالم على سبيل الوقف والصدقة، وهذا جيد ولا اعتراض عليه، لكن السؤال يبقى قائماً: ألا يحتاج الناس في هذه البلدان الفقيرة في أغلبها الى مشاريع خدمية أخرى ربما لا تقل أهمية عن المسجد كوظيفة ورسالة ومكانة؟ وجدت كثيراً من الناس يسارعون بلهفة وطيب نفس لدفع مبالغ لا يستهان بها في سبيل بناء مساجد ومدارس لتعليم القرآن وحفر آبار وغيرها، لكنهم يترددون كثيراً في المساهمة في بناء مراكز صحية أو شراء أجهزة طبية مثلاً· وصلتني رسالة من أحد الإخوة الأطباء من اليمن يطلب فيها المساعدة ''في إنجاح مشروع خيري عبارة عن وحدة غسيل كلى'' في منطقة نائية باليمن سيستفيد منه اكثر من نصف مليون نسمة، حيث الحالة المادية للناس في هذه المنطقة متواضعة وحالات الفشل الكلوي التي تحتاج إلى غسيل كثيرة وفي ازدياد مستمر، أما من يحتاج إلى غسيل فعليه أن يقطع اكثر من 400 كيلو متر في 6 ساعات كل مرة يحتاج فيها لعلاج كلوي، الأمر الذي عرض الكثير من المرضى لحالات وفاة أثناء الطريق· ayya-222@hotmail.com