مع دخول التكنولوجيا الحديثة إلى مختلف الدوائر والمؤسسات، تحققت نقلة هائلة في أداء تلك الجهات، واختصرت من إجراءاتها، وكذلك المدة التي تستغرقها دورة العمل. ولكن مع الوقت ومع التوسع في”أتمتة” مسارات الأداء والمستندات الورقية المطلوبة لإنجازه، ومع سطوة التقنية الحديثة على حياتنا، وجدنا أنفسنا أمام بيروقراطية من طراز جديد، إلكترونية السمة. ولعل أشهر عبارة من عبارات دهاقنة البيروقراطية الإلكترونية هي “هنّج السيستم” أي علّق. وهنا لا سبيل للمرء الذي استأذن من دائرة عمله لبعض الوقت، سوى الانتظار لوقت غير محدد ريثما تنجلي الحمى التي “هنجت” الجهاز، وتسببت في تعطيل مصالح عباد الله، أو العودة من حيث أتى، ومعاودة الكرة في اليوم التالي. وتثور في ذهنه تساؤلات عدة تتعلق بجهد هذه الجهة أو تلك، والتي صرفت ملايين الدراهم من أجل تطوير النظام الإلكتروني في دوائرها، ومع هذا لم تول أدنى اهتمام لإيجاد خطوط دعم تعمل بمجرد أن “يهّنج” النظام أو”السيستم” في ظاهرة لا تراها إلا عندنا وفي منطقتنا، حيث تتعطل مصالح الناس بسبب عارض تقني كهذا.
بعض هذه الجهات يؤكد وجود أنظمة دعم ولكنها “تهنج”، من باب التضامن مع النظام الرئيسي. وفي مواقف كهذه تتبخر كل فرحة بأنظمة الربط الإلكتروني بين الدوائر والمؤسسات في هذه المدينة أو الإمارة ونظيرتها بمنطقة أخرى.
وفي صورة أخرى من صور التكامل بين الورق والتقنية تجد موظفي بعض الدوائر يطلبون من المراجع صور أوراق لا حصر لها لزوم إنجاز المعاملات إلكترونياً، وما إن يوفرها المراجع حتى يطلب منه العودة مرة أخرى، وهذه المرة من أجل التأكد أن الوثائق “نزلت” في “السيستم”، ولا يستغرب المراجع أنه في غمرة التأكد من “نزول” المطلوب، وجود سهو في”التنزيل” أو “التحميل”، لذلك سيجد نفسه مضطرا لبدء رحلة إعادة تجهيز “الأوراق” من جديد.
ولعل أسوء مظاهر البيروقراطية الإلكترونية تلك التي تضرب “أنظمة المصارف”، ولا يحلو لها “التهنيج” إلا خلال مواعيد صرف الرواتب. فتسمع العبارة الجاهزة الخاصة بأن التعطيل حصل بسبب الضغط على “الشبكة”، وهو عذر غير مقبول من جهات لديها عشرات الآلاف من المتعاملين. ومن صور الاستخفاف بالمراجع أن تفرض بعض هذه الجهات في عصر إعادة الهيكلة وتحقيق الربحية رسما مقابل تطوير النظام.
ومن يدقق في الكشوفات التي ترده منها يجد مثل هذا الرسم الذي لا يستند لأي مسوغ سوى أن الذي فرضه يتعامل مع مراجعيه على أنه الطرف الأقوى، وليس من سبيل أمامهم إلا الرضوخ والقبول. وتابعت كذلك كيف فرضت شركة عملاقة على المتعاملين معها سداد رسم إضافي لقاء البطاقات الجديدة التي تصرفها لأنها “مطورة”.
والواقع أن المشكلة ليست في “السيستم” ولا الأجهزة، وإنما في بعض تلك العقليات التي ما زال تفكيرها يقيم في زمن تكديس الأوراق، رغم كل الإمكانيات الهائلة للارتقاء بأدائه التي توفرها له التقنيات الحديثة، ومتى ما غادره سيتحسن الأداء ونجنى فوائد “السيستم” من دون منغصات “التهنيج” و”البيروقراطية” الإلكترونية.


ali.alamodi@admedia.ae