أشركني حوار حول الموسيقى في تبادل وجهات النظر بين ممارسات الموسيقى في الإمارات ومقارنتها ببلدان العالم الأول والثالث والمتقاعس. وعندما اختلست نظرة وجدت العالم يتحدث عن الفنون الموسيقية ومشاركة العرب في ُرقََِـيها، فًَحملتُ ماحَـفرت الذاكرة في ثناياها ومانقشت الأيام على شبابيك نستنشق منها هواء الأمس وتيارات الحاضر ترقباً لأعاصير المستقبل. فقلت لهم: لايصح الحديث عن ذلك في الإمارات “من دون” تحليل دور المرأة في سريان المعرفة عبر الموسيقى، فهي الأم التي تستخدم النغمات لـِتُعَـرَّف وليدها بنبرات صوتها ليستمد من لحونها ما يهيئه للنوم فلا يستدعي بكاءه. ويلازمه صوتها مستدلا من نبراته الأمن والطمأنينة، حيث ترشده همهمتها ونهيمها وهي “تهاوي به” للنوم بحفظ الله وتقنعه نواياها على الهدوء وبأنها ستكون باستقباله متى ما أستيقظ وعندما يفيق تستقبله بالترحيب فتغني له ما يغرس في حشاشة قلبه رصيداً من عبارات الود والحب غير المشروط. وقفزت سيدة تجاري ماتسمع أذناها خارج حدود الإمارات: هل هذه الممارسات باقية؟ فقلت بسرعة قبل أن تكبر فجوة الخيبة وتتشعب مخيلة السائلة: طبعاً لا، هناك من يحرص على استمرارية هذا الموروث وهناك من استعان بفنانات محترفات من دولٍ بعيدة جئن خصيصا لإحياء حفلات “كلوز أوبن” و “سويتي ليتل جيرّل أو سويتي ليتل بوّي” في بيوتنا!! قليلون من يحملون الطفل ويسمّون عليه أو يبسملون. فردت أخرى: ألا يهدد ذلك منظومة البقاء (في ظل تركيبة سكانية مخيفة) لكم جميعاً؟!. فكان ردي ملخصا ومختصرا ومركزا: في تراث الإمارات يلازم صوت الأم وأغانيها طفلها في مراحل تطوره المختلفة ابتداء من لحظة ميلاده، جلوسه، حبوه، وعندما يخطو للمشي تبقى كلماتها الملحنة وأغانيها الخاصة به حتى عندما يبشرها بنجاحه في مدارس العلم والحياة. وعندما يكبر قليلاً تدخله في معاهدها اللغوية فتسقيه عبارات تشمل مصطلحات مبسطة فتضمن فعالية تواصلها به فهو قادر على تحديد مواقع الألم في جسده، والتعبير عن الجميل، وما يرتئيه سبباً لخوفه. وتحدد الأم مرحلة نمو طفلها ومدى جاهزيته للقصص التي ترويها لتربط بها بين خياله وواقعه وذاته والآخر. وتقف الأم مشرفة على ألعاب الأطفال وأهازيجهم وعندما يكبرون تذوب لغة طفولتهم كما يذوب العسل في الحليب ويبدو لبعضهم هذا المشهد واضحاً فيكرسون شبابهم لتربية أطفال متكاملين، في حين يترك البعض هؤلاء الأطفال ليلعب ببراءتهم وثقافتهم غرباء من كواكبٍ أخرى لاتربطهم بالإنسانية أي قيم أو مبادئ. هناك من يُغـربُ ابناءه وهم في سن ٍ لاحول لهم ولا قوة، هذا الاغتراب يوقف تدفق التقاليد وتمرير أدق العناصر الثقافية. لقد كانت الأغاني والموسيقى التي تجاري الشعر وإلقاءه جزءأ لايتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية فهي تقوم بوظائف متعددة تخدم الزمان والمكان وتفي بمتطلبات الأفراد من سكان الساحل والمناطق الزراعية أو الصحراوية. ولقد هذبت المرأة هذا الفن ليخدمها ويسهل ماتقوم به من عمل، فهي بذلك حافظت على تمرير الموروث الشعبي من زمن لآخر ومن مكانٍ لآخر ورسخت نبرات الثقافة السمعية في آذان الأجيال وذاكراتهم. فنظرت إليّ السيدة وقالت: بديع كل هذا، ولكن من يحفظه؟ فقلت بلا تردد: ذاكرتي ورسالتي، وكلي فداء للوطن. bilkhair@hotmail.com