في تقرير التنمية الإنسانية الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يكشف أن نصيب العرب من النشر يقل عن 1%·· ويشير التقرير إلى أن المواطن العربي يقرأ 6 دقائق في السنة ، ويصدر كتاب لكل 350 ألف مواطن في الوطن العربي، بينما يصدر كتاب لكل 15 ألف مواطن في أوروبا· وتستهلك كل دور النشر العربية من الورق ما تستهلكه دار باليمار الفرنسية للنشر· ويضيف التقرير أن مكتبة لكل 150 ألف عربي· تقرير مذهل ومخجل ومحبط، فأمة القراءة والرسالات والأنبياء أمة لا تقرأ ،ولا تعبأ بالقراءة، ولا ترى في القراءة ما يثير حفيظتها، ويستفز مشاعرها· ومن المؤسف جداً أن التقرير لم يستثن فئات دون أخرى، بل إنه شمل المجتمعات العربية الغنية والفقيرة، وتبين في البحث أن شعوب الدول الفقيرة انغمست في البحث عن لقمة العيش وتوفير الأدنى مما تحتاجه في حياتها المعيشية، من كساء وغذاء، وشراب ومسكن، بينما شعوب الدول الغنية أشاحت بوجوم عن القراء، وسعياً وراء الترفيه ورغد العيش والاستهلاك اليومي في التسوق والتحدق والتألق ، حتى على البرق، ولم يمطر إلا كسفاً وعسفاً وخسفاً بعلاقة الإنسان بالقراءة· عادة القراءة وثقافتها بحاجة الى تدريب وتجريب وتهذيب وتشذيب، وترطيب الخاطر من جفاف المراحل وعتو الزمان وخلو المكان من محيط يهتم ويفهم معنى القراءة، فيسهم في صناعة العادة وصياغة ثقافة تعنى بالمطالعة والبحث والدرس وتربية النفس على الصبر والجلد في الجلوس لفترات زمنية يقضيها الفرد في معانقة الكتاب واحتضانه ولفه بين راحتين خفيفتين حانيتين خافقتين بالحب والشوق والتوق، والتعلق بالكلمة وما تحويه من معنى ومغزى· فأمة لا تقرأ أمة لا ترقى، ولا تلقى إلا الحضيض المستفيض بغيظ السحيق العميق· إذاً، كيف لنا أن نفهم العالم ويفهمنا، ونقرأ ويقرأنا ونحن في حالة خصام وانعدام مع الكتاب الذي هو طريقنا السالك باتجاه قارات العالم·· كيف لنا أن نصنع ونزرع ونبدع ونشرع نحو غايات وأمنيات، ونحن قد غلفنا العقل وشددنا رباطه بالشمع الأحمر، وقلنا ممنوع القراءة لعقل مقموع، منقوع، ممنوع من البصر والبصيرة، لا يخب بعيره إلا لصحراء ثقافية قاحلة ناحلة، آفلة، مترهلة، مغربلة تحت حوافر طموحات لا تكاد تتجاوز أخمص القدم، منذ أن أرهق الزمان النفوس باحتياجات لا تحيد عن لون الدشداشة وجنسها ومكان صنعها، وشكل النعال وماركته وخارطة نقوشه· كيف لنا أن نمتع النظر بثقافة الآخر، ونفض البصر عن إشكاليات نامت عليها ذيول الثعالب، ورقصت على مخلفاتها الأرانب، كيف لنا نتعلم درس الخطوة الأولى في النهوض ونحن لا نحترم العقل ولا نقدره ولا نجله، ولا نقدم له غير بقايا ما يتبقى من غبار الإبداعات الإنسانية من صناعة واختراع·· كيف لنا أن نخرج من دائرة الاستهلاك الى حلبة الاختراع والإبداع ونحن نقف في ذيل الأمم في القراءة والكتابة، وباسترابة دوماً نقترب من إنجازات الآخر·· الوعي أولاً، ولا وعي في غياب القراءة، والبحث في أتون الكتب ومتونها وغضونها وفتونها، لا وعي إلا في حضرة خير جليس وأنيس ونفيس، تينع فيه العقول وتخضر الحقول ، ويقدم الخير الهطول·· لا وعي أبداً ونحن نمارس عادة الهجران والنكران والسلوان للكتاب الذي من غيره لا ننهل ولا نستهل ولا نفهم ولا نتعلم·· القراءة رقية الانفتاح وحرز الانشراح، وكتابنا وقرآننا يقول اقرأ·· اقرأ· فاقرأوا يا عالم لتستوعبوا العالم وتكونوا نداً قوياً ومنتجاً ومتفاعلاً ليس مفعولاً به·