منذ نزل الإنسان من فوق الشجرة ومشى على الأرض منتصباً متأملاً الكون ومكتشفاً غموضه وأسراره والبشرية تدفع الكثير، كي يسير هذا الإنسان نحو غايته الكبرى، بناء الحضارة واستحقاق الخلافة على الأرض، ولتحقيق ذلك دفع الإنسان ملايين الضحايا ومليارات الأموال ومارس من الفظائع والمآسي والحروب والجهود الكبيرة الكثير من أجل الوصول إلى ما وصل إليه اليوم بغض النظر عن نظرة البعض غير الراضية لمنجزات اليوم، لكن الأكيد أن البشرية كلها لا تريد للتاريخ أن يعيد كوارث الحروب بجميع أشكالها ودوافعها، لا تريد هذه البشرية أن ترى مجدداً أولئك الطغاة المهووسيين بالقتل والحروب والممتلئين بالجشع ورغبة الاستعمار والتوسع على حساب الآخرين، لا أحد يسعى الى نسخ الماضي أو استنساخه وحتى الذين يستنسخون المخلوقات يبدو أنهم توقفوا أو أنهم يراجعون أنفسهم في هذا الأمر لأنه لا شيء خارق في صنع نسخ جديدة من أشخاص لا يميزهم شيء وسيأتي مثلهم كثيرون جداً عبر الأيام..
إذا كان التاريخ يعيد نفسه فلماذا يقع الإنسان في مطب الخطأ نفسه كل مرة ؟ لأن الإنسان لا يتعلم من أخطائه تماماً مثل الفئران للأسف الشديد، فالفأر يذهب لنفس المصيدة في كل مرة تلوح له قطعة جببن صفراء، غير عابئ بذلك البائس الذي مات قبله بلحظات، التاريخ لا يعيد نفسه لكن الإنسان لا يتعلم من أخطاء التاريخ ولا من أحداثه المتشابهة، يحفظ ذاكرته في الكتب وعلى الأحجار والجلود والأوراق، يصنفها، يخترع لها الأنظمة والأجهزة، ثم يطور كل شيء ليصل الى وسائل حفظ وأرشفة لا تخطر على البال، وبعد ذلك أن يحفظها، ينساها، ينسى ذاكرته، ألا يبدو الأمر غريباً أو مضحكاً جداً.
نحن من يعتقد بأن الحدث يتكرر لكن ذلك غير صحيح، الحدث يصنعه إنسان مختلف في كل مرة وفي زمن مختلف عن اللحظة التي مضت، حتى وإن تشابهت الجغرافيا، صحيح أن الإنسان لن يتحول الى كائن آخر، لكن الزمن يختلف حتماً وكذلك القيم الفاعلة والغرائز المحركة والقوانين المؤثرة فهي حتماً تختلف باختلاف الدرجة التي وصل اليها الإنسان في سلم التحضر والتقدم، لذلك يفترض أن لا يكرر الإنسان اخطاءه وكوارثه ولا يعيد إنتاج إفلاساته الحضارية، الا اذا كان مفلساً بالفعل أو لم يتعلم عبر مسيرته شيئاً يحصنه ضد غباء تكرار الأخطاء !!
في عالمنا العربي لدى الإنسان هواية التكرار والإعادة، ولديه عادة التشبث بما يعرفه وبما هو معتاد عليه، نحن لا نتقبل الجديد بسهولة ولا نعي الأفكار الجديدة بشكل سريع، وكل قيمة أو فكرة جديدة ننظر إليها بريبة وبعدم ثقة، على اعتبارها تشكل تهديداً مباشراً لقيمنا وعاداتنا وهويتنا... الخ، دون أن نحاول بعض الشيء التمعن في الأمر ، فلو اننا فكرنا قليلاً لعرفنا أن التاريخ لا يعيد نفسه أبداً، والا لبقينا في العام الأول قبل الميلاد نراوح المكان نفسه والحياة البدائية نفسها، لكن التغيير قانون الحياة الثابت بل هو الثابت الوحيد في هذه الحياة.
نحتاج لأن نتعلم ونعي ونعلم أبناءنا أن الحياة لا تعيش في مساكن الأمس أبداً، وأن على هؤلاء الأبناء أن يفهموا كيف يصيغوا معادلة مسيرتهم الآتية وفق هذه الحقيقة، لأنها الحقيقة القوية التي سيصادفونها أينما ذهبوا، فليكونوا مستعدين لها، ذلك أفضل من حالة العويل والشكوى التي انتهى دورها وما عادت تقود الى نتيجة.


ayya-222@hotmail.com