صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

كلام إيزابيللا أحلى كلام

الطفلة ذات الأشهر الستة تتكلم، وتدير أوركسترا، وتواجه العالم المنحدر إلى هاوية السذاجة، بحروبه وضغائنه وانهياراته الثقافية بعبقرية فذة، أذهلت الآخرين، وحيرت الأبعدين، وأصبحت ظاهرة بريطانية لا مثيل لها، الأمر الذي يؤكد أن العقل البشري كائن خارق، يختزن قدرات فائقة، لا يستطيع العلم أن يضع لها خريطة نشوء وارتقاء، مهما بلغ من قوة اكتشافات. هذه قوة العقل التي تحدث عنها نيتشه، وهذه “إرادة القوة” المختزنة في الذات البشرية، والتي لا تبرز كواقع بقدر ما تبدو ظواهر إنسانية تنثها الطبيعة الإنسانية بين حين وآخر، ومن بلد إلى بلد، وهي خوارق تطرق أجراس الوعي الإنساني، ليعي الإنسان أنه لو أراد أن يشكم هذه الذات المتورمة، ولو فكر أن يقضي على شوائب وخرائب، لاستطاع ومن دون عناء، لكنه لا يريد، لأنه يريد أن يستعيد ذاكرة جبلته الأولى، يريد أن يتقهقر إلى حيث تكوينه البدائي، ليقصف أغصان شجرة الحياة، بأحجار كبته، ومعجزات جاهليته.. هي رغبة في النكوص، وسعي دائب ودائم للانزواء في خانة الاحتكاك المستمر مع الغرائز، بسلوك لا يخرج عن كونه من معطيات ماضٍ قاهر وجائر. بالطبع، فإن الطفلة البريطانية إيزابيللا، لم تفكر بمحض إرادتها، وإنما جيناتها الإنسانية هي التي دفعت بهذه الطاقة الهائلة لكي تظهر وتعطي العبرة لمن يريد أن يعتبر، ولمن يريد أن يخرج من شرنقة العجز والاستسلام لأحلام كابوسية فجة معتمة سالبة إلى حد التحجر. الطفلة إيزابيللا بقدرتها الفائقة تستفيق على سلوك ما اعتاد عليه الناس، ما جعل والديها يمسكان بجسدها البض الصغير بلهفة، لأنها الطفلة المعجزة، ولأنها القوة المركزة، ولأنها القدرة المتحالفة مع الذات، بل تآلف وتحالف ما بين الأنا والأنا الأعلى، ما يجعلها ظاهرة فريدة، تخالف المعقول، وهو اللامعقول في حد ذاته، لأن الإنسانية درجت على صراع أزلي ما بين الأنا والأنا الأعلى، وحروب طاحنة ما بين الأنا والآخر، هذا ما سبب الهزيمة النكراء لحضارات العالم مهما بلغت من بريق، ولكنه، للأسف، بريق لحجر حريق، ينخر في عظام الحضارات التي أكلت نارها هشيمها، فبادت، وانتهت إلى زوال، ولا مآل لحضارات لا تضع لإرادة القوة من معنى. حضارات في مجملها عبثية، عدمية لأنها تضع الأنا كمقابل غير موضوعي للأنا الأعلى، الأمر الذي يجعل الصراع دموياً إلى حد الفناء، وانتهاء الجهود النيرة إلى لا شيء.. وفي الحقيقة العالم بحاجة إلى إيزابيللا كبيرة تحقق أمنيات البشرية في السلام والوئام.. وختام. علي أبو الريش | marafea@emi.ae

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء