صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

تذكرة.. وحقيبة سفر

بعض المدن لها صباحات باكرة وضاحكة، إما تكون قد اغتسلت فجراً بالمطر أو باغتها مع شقوق الضوء الخجول. مخطئ من يظن أن لا رائحة لصباح فيينا المختلط بدفء القهوة، ورجفة البدن التي تتسلل من تحت الأردية الثقال، وتلك الغمامة كسحابة باردة تطوف سماء المدينة، تصبّح على البيوت والوجوه، أحداث التاريخ المختلط بالحب والحرب والفن وسيرة العظماء والذي تحظى به بعض المدن دون غيرها، يفرض هيبته ووقار حضوره على زوارها الغرباء. صباح فيينا الذي يشبه صفحة خد صبية في اكتمالها، صباح غير متثائب، لا يشعرك أن أحداً أمسى يتقلب في فراشه ليلاً أو أن هناك نفراً كثيرون مدينون لبنوك عدة أو أن هناك نصّابين باتوا على وجع سرقة حلال الآخرين، صباح من الصحو واليقظة المباركة، وفرح باتجاه إيقاع اليوم، وزهو الحياة والعمل، صباح فيه بِشر، وربما جاء معه خير كثير، صباح قادر أن تقبض على كل تفاصيله الصغيرة، موظفة الاستقبال في الفندق اللامع، وبياض ياقة قميصها الأبيض المثوثب، نظافة تجاويف الأذن بطريقة غير اعتيادية، وتلك الحمرة الدائمة في شحمتها، البواب السمين كعجل لا يكف عن النمو، وإتقانه لغات عدة أكثر من المدير نفسه، وحب النزلاء له أكثر من مالك الفندق ذاته، طالبة جامعية تلاعب دراجتها كتلميذة مجتهدة، داعبتها مرة أحلام الدراسة التخصصية في لندن أو أمريكا، عمال متفانون يُصَحّون سُكرة صباحهم بكسرة كأس أخير، بائع الزهور الذي يكره التقاعد، وتوزيعه للندى على بتلات وأوراق زهر التوليب، يشعرك أنه والمدينة في طقوس حب تاريخي سيدوم طويلاً، بائعة الخبز المستعجلة والتي يجدر بها أن تكون ممرضة في يوم ما، بتلك النظارة الطبية الدائرية ذات الإطار الأسود الخفيف، نقاء مسامات الوجه، و”البالطو” الأبيض يضفي عليها شيئاً من رونق المستشفيات ذات الرائحة المطهرة، والإخلاص الملائكي لعاملات الرحمة. ما الذي يجعلك تدلف إلى المخبز الذي يحتل خاصرة الشارع أهو الفضول الصباحي! أم البحث عن الضحكة المخلصة لمنظر العجين! تلك التي حملتها معك منذ كنت طفلاً يتدثر بخاصرة أمه، ويراقب خبزها وحركة يدها، ليس أجمل من خبزة ساخنة في أي بقعة، خاصة من امرأة لا تعرف إلا بيتها ميداناً، لقد ركضت خلف تلك العجينة المخمرة، والخبزة الساخنة بلاد الله ومدنه، ثمة فرحة مبعثها السخونة والطزاجة والرائحة التي تصل أنفك قبل نشوة قضم تلك الكسرة، حتى أنك تفضلها شخصياً على بوليصة تأمين لشركة إنجليزية موقعها جزر بريطانيا العذراء. صباح فيينا كان حاضراً في الذاكرة دوماً، منذ أن غامرت باتجاه معرفة بنت العم التاريخي، تلك التي كانت تدرس التاريخ، وأحبت مرة أن ترشدك إلى صباح جميل ومختلف في مدينة، عادة لا يمكث فيها الغرباء كثيراً! ناصر الظاهري | amood8@yahoo.com

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء