الحرب تطحن شتلات الحياة، وتبيد زعانف الحب، وتزرع الموت والتشرد وفقدان الأمل، تشكيل الحكومات في الدول الديمقراطية الحديثة يحتاج إلى عمليات قيصرية تخفف من وطأة الآلام، وتنقذ المولود المتعسر حضوره في ظل وجدان عربي لا يزال يحن إلى الأحادية.
العراق الشقيق الذي يعاني من سوء الأحوال الاقتصادية، وتردي الحالة الأمنية، يحاول جاهداً أن يقبض على جمرة الديمقراطية، يحاول أن يخرج من عنق الزجاجة، يحاول أن يتماهى مع الدول التي حققت مستويات اقتصادية عالية، وهي لا تملك المدار والطبيعة التي تساوي ما يملكه العراق.
نقول بصدق، إن ما ينقص العراق هو الإرادة، هذا البلد بتاريخه العريق، وحضارته التي علمت الناس النون والقلم، يحتاج إلى الإرادة التي تكسر قوالب الإسمنت الجامدة، الإرادة التي تحرك المياه الآسنة وتمنح العراق حرية الحركة، والنشوء باتجاه إعادة ما خربته الحروب وما دمرته الأحقاد، وما أحرقته نيران الضغائن والمطالب الرخيصة.
العراق الآن كي ينهض ويستنهض الطاقات، يحتاج إلى قوى سحرية فائقة التأثير لتنقذ أربعة ملايين يتيم ومليون أرملة، وبإمكان هؤلاء لو توفرت لهم سبل العيش الطبيعية أن يكونوا طاقات هائلة تصب في خدمة البلد الذي يحتاج إلى كل عنصر من عناصر الوطن.
العراق بحاجة إلى صحوة حقيقية تعيده إلى نسيجه الحقيقي وتستعيد له ما فقده إثر الحروب الطاحنة التي لم تغير معالم فحسب، بل اجتثت جذور.
العراق اليتيم يحتاج إلى أيدٍ عربية تمتد بصدق، وتدخل ذوي القربى لحماية منجز عربي لا يجب أن يهمل، وأن يلقى سلال المهملات.. العراق اليوم لا يحتاج إلى تنظيرات وشعارات ومسوغات، فقد فات أوان الفلسفة ويجب أن يلقى هذا البلد حقه في تعليم أبنائه، ورعايتهم صحياً، وتوفير كافة الخدمات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن قبل كل ذلك لابد من وجود حكومة تحفظ سيادة العراق وتحمي تضاريسه من أنياب الطامعين والطامحين أن يكونوا حراساً للمنطقة.
العراق بحاجة إلى دعم حقيقي ومؤسسي يدرأ عنه أخطار المتربصين والمسكونين بهواجس التوسع والاستيلاء على حقوق الغير بباطل وعاطل النوايا والذمم.. يجب أن ينتبه المتفرجون وأن يصعدوا إلى قاعة المسرح ليشاركوا في صناعة البهجة في نفوس ملايين العراقيين المأزومين والمحاصرين بالفقر والمرض، وسوء الطالع، وسيئات نوايا الآخرين، والعراق يجب أن يفرح بعد سنوات عجاف من الظلم والحصار، ويجب أن يجد نفسه بين العالمين بلداً متجهاً صوب ركب الحضارة، وهو أهلٌ لها بمقوماته الطبيعية وقدرات شعبه الهائلة، وإرثه التاريخي العتيد.. العراق بحاجة إلى عمليات تجميل عاجلة بعد الحروق التي لحقت به إثر النيران والأحزان، ما خفي منها وما بان.


marafea@emi.ae