بالنظر أوروبياً، إلى مباني المتاحف القديمة، وما فيها من أعمال فنية كلاسيكية، بالتوازي مع عصر العمارة القديمة، نجد أن هناك توافق في المفهوم، بزيادة قليلة أو نقصان، إنما المشهد الحاضن واحد، يتبادل نفس قيم المجتمع وقتها، ديكوراً وملابساً ومواضيعاً وحكايا مستقاة من أساطير كتبهم المقدسة أدبياً ودينيا، دون أن ننسى غلبة حضور الطبقة البرجوازية، بحيث لا نرى في أغلب الأعمال الفنية توثيقاً لطبقات أقل إلا فيما يظهر من «خدم» بكل ما تحويه الكلمة من تكوين مُعضد لرغبات المصلحة البرجوازية. على كُلٍ؛ هنا مدخل للسؤال عن طبيعة الأعمال الفنية الحديثة، وطبيعة عرضها، إذ تم اختلاف جذري عن المجتمع القديم للفن، وقد تنوع حدوثها خارج الإطار والمعالجات الكلاسيكية، ودخلت مع الثورات الاجتماعية الحديثة في مجال مفتوح على كل الاحتمالات بلا حذف لأي فكرة أو حصر ضمن نطاق على الإطلاق، فكل وأي شيء أصبح صالحاً لأن يكون فناً بلا أي استثناء. فما هي إذن العمارة الملائمة لهذا النوع من «الفن الفالت»؛ في زمن اختلاط الأزمنة والطبقات الاجتماعية، وتجاوز الأفكار الفنية من نظام الترتيب النفسي المُؤسَّس على أخلاقيات قديمة، مُحددة المطالب، إلى انفراج الأنظمة النفسية إلى استقلاليات وصلت بكل براحٍ إلى الانفلات الكامل من يد التاريخ السابق واللاحق مهما تم العمل على أي تقنين تنظيري، فلقد انفرط العقد الفني القديم وتبعه الحديث لا ليؤسس لشيء؛ بقدر ما هو يواصل الانفراط كثورة دائمة على الانفراط. أي عمارة إذن بإمكانها طرح نفسها لاستيعاب العمل الفني الحديث، وما هي شكل متاحفه، وحتى لو تلاءمت من حيث كونها هي الأخرى حديثة؛ هل تخدم استقلالية العمل الفني الحديث، وكونها طرح معماري حداثي من خلال مبنى محدد هل بامكانها أن تناسب تعدد المواضع الفنية ومدارسها وأطروحاتها. أسأل نفسي، كما يمكن أن يسألني أحد عرَضاً، لماذا هذا النوع من التفكير بالمقارنة بين ارتباط العمارة بالأعمال الفنية؟، وما الداعي من إثارة ذلك إن لم يكن هناك في الأساس حلاً موضوعياً، بل وأبدياً لهذه الأطروحة، وأيضاً لأنه لا يوجد كثير إشكال من أزمة مشاهدة الأعمال في أي مكان كان، أي أزمة في التلقي، فليس الفن أكان عمارة أو أعمال فنية أو غير ذلك محل بقالة محدود الوظيفة، كالعلاقة المحددة القيمة بين السلعة وسعرها مثلاً. أقول إن هذا النوع من التفكير في قضية مثل المطروحة هنا أو ما يشابهها في مجال فكري أو علمي آخر، يجعل من العلاقة النظرية بين العاملين في المجال الفني -على اختلاف تخصصاتهم، بمن فيهم المشاهد العابر– أقرب إلى علماء طب عاكفين على إيجاد حل دوائي لمرضٍ مُستعصٍ، تحت شرط يفترض أنه لن يوجد له دواء أبداً، إشارة إلى أن العلاقة الوجودية النابضة بمواجهة الحياة، تُشَكِّل نوعاً من الأزمات، التي من شأنها تدبير أمر أي سؤال جمالي مهما كان أو ديني أو سياسي على أنه إحدى مهمات تحرير العقل البشري، ولو حتى إلى مُطْلَقٍ مجهول. eachpattern@hotmail.com