يفرك الماركسيون، أو من تبقى منهم، أيديهم فرحا هذه الأيام· إذ تكاد نبوءة جدهم كارل ماركس، تصبح حقيقة وإن كانت بعيدة عن موعدها قرابة قرن· ولا ينقص هؤلاء إلا أن يقفوا على نواصي الشوارع، يوزعون الحلوى على عمال العالم وكادحيه ومثقفيه، ابتهاجا بالانهيار الذي يصيب ''الرأسمالية المالية المتوحشة'' في بورصاتها ومصارفها· ولو اعتمد الماركسيون منهجهم التاريخي في التحليل، لانتبهوا إلى أن الانهيار الأول أصاب منظومتهم السوفياتية، دولا ومبادئ واقتصاد ودعوات ثورية من أجل الحرية والعدالة والرخاء· والثابت في صورة الانهيارين، المتحقق والمتداعي، أن أحدهما لم يكن سببا أو نتيجة أو لحساب الآخر· فانهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الدولية والآيديولوجية، لم يشكل ربحا خالصا للرأسمالية، وكوارث النظام النقدي الرأسمالي لا يمكن أن تبث نفحة حياة في عظام النظام الاشتراكي· تعاني الرأسمالية، كما عانت الشيوعية من قبلها، من تصلب في شرايين الرأس وتجلّط في أوردة القلب· وتلك حالة مرضية تعجز معجزات الطب عن إطالة حياة صاحبها إلى ما لا نهاية· ولكن كان يمكن لمهمة أطباء النظام الرأسمالي أن تنجح لو أنهم تصدوا للأعراض في بداياتها، وليس للنتائج· كان للقطبية الحادة، التي تمثلها الولايات المتحدة الأمريكية، اليد الطولى في توليد أزمات بنيوية خلخلت النظام الغربي في عصبه المالي والقيمي· فتكلفة الجموح الكولونيالي، الامبراطوري الأميركي، في العقود الثلاثة الأخيرة، أرخت بثقلها على الخزينة في واشنطن، وجعلت خزائن العواصم الأخرى تعتلّ باعتلالها· ومن يتابع رحلة الدولار الأميركي اليومية المرهقة، منذ استفاقته في بورصة هونغ كونغ حتى مبيته في بورصة نيويورك، يدرك أنه حين يعطس الدولار فإن عملات العالم كلها تصاب بالزكام· ولم يكن كل ذلك مفاجئا في مبتدئه وصيرورته·· بل توقعه ''فلاسفة'' الجموح الإمبراطوري، في تعبيراته السياسية والعسكرية والاقتصادية· وربما كان أولهم زبيجنيو بريجينسكي في كتابه المبكر (نهاية السبعينيات): ''بين عصرين: أميركا والعصر التكنتروني''· لقد اطمأن كثيرون إلى قوة الرأسمالية وديمومتها، بعد أفول عصر الآيديولوجيات، والشلل الذي أصاب النماذج القومية البديلة· وهنا الخطأ الأول· فصحة نظام قد تكون الصورة السالبة لاعتلال بدائله· هذا ما حدث عام 1929 في الأزمة المالية الكبرى، وعلاقتها بالنهوض المرضي للنازية· الانهيار المالي الحادث الآن يبدو أنه حدث تم تأجيله كثيرا· ربما كان انهيار بنايتين في واشنطن في سبتمبر 2001 هو نذيره· وقد تكون الأزمة الدستورية الأعمق، التي عصفت بالولايات المتحدة عند وصول جورج بوش إلى البيت الأبيض هي الإشارة الأولى لما يجري اليوم·· adelk58@hotmail.com