كان البعض يقرفص على الوسائد الأرضية، وآخرون على مقاعد القماش المحشو، فيما يتمدد البعض على كراسي هزازة.. بالإضافة للمقاعد التقليدية لمن يرغب.. الأجواء في غاية الاسترخاء والبساطة بعيداً عن ادعاءات المظاهر الرسمية ما ساعدني على الإحساس أنني أتحاور مع رفاق مقربين، وسهّل مهمتي في تقديم ورشة الكتابة الإبداعية التي ينظمها «السركال أفنيو» في دبي ضمن احتفالية أدبية، يلتقي فيها الجمهور كل سبت من كل أسبوع في فعالية مختلفة. المكان بدا من الخارج كمنطقة صناعية، لكن حين دخلت تكشّف عن طبقات من الفنون والألوان ومظاهر الثقافة، حيث تحول المكان القصيّ إلى حاضنة فنية ثقافية جميلة، وأفكر أن الإنسان عندما يخرج من الصندوق، يستطيع أن يزرع الزهر في رمل الصحراء. الأجواء الحميمية التي تلفّ المكان، تجعل الإنسان المهتمّ يخرج في يوم عطلة ليشاهد ويستمع ويشارك. تفتقد الكثير من الفعاليات الثقافية للحضور، بسبب الصيغة التقليدية الرسمية التي يُصرّ عليها القائمون على تنظيمها، حيث تمتد المنصة الرئيسية أمام كراسي مصفوفة لجمهور ضمن تراتبية الأهم فالمهم فالفرد العادي، والنتيجة لا يحضر أحد. في حين تتبني الذهنية الغربية في تنظيم الفعاليات الثقافية مبدأ الذهاب مباشرة لآخر الصف ووضعه في الأمام فيكون هو المحور، ليعود مجدداً في كل مرة. تحدثنا عن الكتابة وعن العقبات، قال أحدهم إنه يمتلك الأفكار ويمتلك الأسلوب لكنه لا يمتلك أدوات الربط، كيف يجلس ويربط بين أفكاره بأسلوبه الخاص. حينها أجبته أنه لن يعرف كيف حتى يجلس ويجرب أن يكتب. أقول الآن، إن الكتابة قبل أن تكون أفكاراً وأسلوباً هي «شجاعة»؛ أن تعتقد أن لك رأياً يستحق أن تطرحه، وأن تمتلك الثقة الكافية بنفسك لكي تطرحه، ليس بالضرورة أن يكون رأياً عظيماً أو فارقاً، لكن مجرد الفكرة نفسها، مجرد إيمانك بنفسك وبقدرتك على وضع كلماتك على الورق وبعثها للنشر، تكون قد تقمصت دور خالق يبعث في الحرف الميت حياة. لكي تكتب عليك أن تمتلك روح محارب وذهنية فيلسوف ونفسية مجنون، وهذه مكونات الشخصية الفنية. لا يمكنك أن تظل قلقاً حريصاً معتنياً بنفسية «الموظف» في داخلك ثم تأتي وتقول إنك تريد أن تبدع. الإبداع خروج عن الطريق لاكتشاف طرق جديدة، وهو مخاطرة، لأنك قد لا تكتشف أي طريق بديل وتقضي العمر ضالاً تائهاً، لكن دون تلك الخطوة، دون تلك الانعطافة الصغيرة عن الطريق العام الذي يسير فيه الجميع فأنت تخاطر بشيء أكبر من «ظل الحضن الجمعي»، أنت تخاطر بألا تجد أبداً طريقك؛ ليخيّم على عمرك السؤال» ماذا لو انعطفت؟»