صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

ثقافة بلا ميزان

على مدى الأعوام الأخيرة، امتد سيل العمل الثقافي على مختلف التضاريس في الإمارات، وصارت الأنشطة المتزاحمة والمتراكمة ككثبان الرمل المتحركة لا يستطيع المرء ملاحقتها أو الاستفادة من عطائها، الأمر الذي يستدعي شيئاً من النظام والالتحام والانسجام حتى لا تضيع المياه الثقافية على أرض بطحاء لا تحديد ولا تسديد ولا تأكيد ولا ترسخ لنشاط ما يستفاد منه لنهضة ثقافية حقيقية· الأشياء الجميلة عندما تخوض معركة التراكم تبدو شائهة سابحة في فضاءات بعيدة عن مطالب الإنسان وحاجته إلى غذاء ثقافي يغني ويثري، فخلال الموسم الواحد تشهد أنشطة ومؤتمرات متشابهة لا يميزها غير المكان، ونحن في مكان واحد وفي دولة واحدة· كان لابد من التنسيق ولابد من وضع الأطر السليمة لينساب العمل الثقافي بسلاسة، وحيوية ويمنع التضارب والتقاطع في الأنشطة بين الإدارات الثقافية والمؤسسة ذات الشأن نفسه، من يتابع هذه الأنشطة يشعر أن هناك تقاطعات، تؤدي إلى تهافت لا مبرر له، غير أن البعض يريد أن يقاوم موته الثقافي بإحياء أنشطة مكررة ومعادة ولا جدوى من إقامتها غير التصريحات التي لا معنى لها·· لم أسمع يوماً أن المسؤولين في المؤسسات الثقافية قد اجتمعوا من أجل التنسيق ومن أجل الاتيان بما يليق ومن أجل تحقيق مصلحة عامة تخدم ثقافة البلد وترفد حركتها الإبداعية بأنشطة منظمة ومنسقة ومنع هذا التصادم الذي لا يفضي إلا إلى فوضى وعشوائية في التقديم·· لم أسمع يوماً أن مسؤولين في المؤسسات الثقافية قد وضعوا برنامجاً مشتركاً يحدد المسؤولية والأهداف والرؤى·· فالثقافة ليست مجالاً للسباق ولا محطة لاستراحة المحاربين من تعب وعناء الأعمال الإنسانية الأخرى·· الثقافة جهد إنساني يحتاج إلى وضع الأسس التي تضعه في مساره الصحيح والتي تحدد منبعه ومجراه ومصبه، وإلا أصبحنا في حارة لا قوامة لها ولا قيامة ولا مقام· ما نشاهده اليوم وما نلمسه وفي معظمه مجرد حركة، لأنها أنشطة لا تقوم على أبنية صحيحة ولا تتجه باتجاه التأسيس السليم، هي أنشطة في مجملها تتعارض مع الأهداف وتتقاطع مع الغايات السامية المأمولة من أي عمل ثقافي، حتى أن بعض الأنشطة أصبحت مجرد حركة في برك آسنة، ساكنة لا يتمخض عنها غير الضحالة والحثالة من الأنشطة مما قد يسيء إلى الجهود الأخرى الرامية إلى تأسيس حركة ثقافية نامية، ومتنامية ومتحامية بأفكار مؤسسة ورؤى راسخة وخطط تمنع الغث من ولوج الوعاء الثقافي في البلد·· نسمع عن محاضرات ومؤتمرات وندوات وعندما نقرأ عن مضمونها فلا نجد غير الخواء ولا نلمس غير عدم الجدوى، لأن السرعة في التحريك الثقافي قد تؤدي إلى النزيف، ولأن التنفيذ غير المنظم وغير المنتظم ضمن منظومة ثقافية واحدة قد يؤدي إلى بعثرة الجهود في أنشطة لا تفيد ولا تقدم المعنى المطلوب·· نسمع مؤتمرات ''ثقافية'' عن أدوات الزينة وعن الملابس النسائية وعن مساحيق التجميل وعن وعن، كل ذلك يصب في الأعمال والأنشطة الثقافية التي لا علاقة لها بالثقافة، فلا هي ابنتها ولا بنت عمها

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء