منذ بدايتها والقصة في الإمارات تأخذ منحاها الواقعي المعبر عن بيئتها، من حيث التجربة اليانعة والفتية التي ولدت أقلاماً بارعة وفكراً ساطعاً، بل أوجدت رؤى في مجتمع يخطو ثقافياً، بل نهضوياً تكمن فيه صفات قصصية، هي محل انتشاء ومتعة أدبية. فمن تحت أنقاض التكون ونسيجه المتداخل استنبطت القصة الإماراتية أسماءها الناضجة. لكل قلم نمطه وأدواته مجتمعة على ناصية فكرة، فلا يدركها الآخر، لكن ثمة تقاطعات محورية تنم عن البيئة القصصية الواحدة. فمنذ مطلع الثمانينيات نرى في القص الإماراتي متانة واختزالاً للقصة الحديثة، حيث برزت فيها اللغة القصصية ما بين النفس الجميل والرؤية الحادة المؤثرة. حقبة التصقت بالموروث العربي والعالمي قبل أن تأخذ منحاها بالتسعينيات، فيما بعد وبالتحديد بمنتصف التسعينيات خرجت أسماء قصصية لامعة. أطلق عليها الجيل الثاني من كتاب القصة الإماراتية. وهي عصارة تجربتين استطاعت ان تعلو بكعب القصة الإماراتية إلى حيز الساحة العربية، وأعطتها شكلاً مميزاً وأرادت لساحة القصة أن تكون مترقبة ومتلهفة لأي قاص يبتدر جديداً أو نصاً قصصياً تطرحه الصحف فيحاط بعيون الانتباه. أيضاً وفي بداية التسعينيات اقترح لنا اتحاد كتاب وأدباء الإمارات نادياً للقصة، فكان رمزاً للمسار القصصي المقترن بالمسار الثقافي متعدد المسارب والمتوهج ما بين القصص والشعر والآداب والفنون. فقد أفرز أسماء جميلة نمت من خلاله ونما من خلالها، ولايزال يشغل الساحة كبيت للإبداع القصصي. الآن وبعد سنوات مضت واتجاهات ثقافية تعددت، يلحظ أن المسار القصصي الإماراتي باتت له قضية ما. ثمة باب للنقد مغفل منذ زمن. والكل يعلم كم حاجة القص أينما وجد لهذا الباب. فقد اتسمت الفترة الآنية بتعدد وجوه كتاب القص مما ينبئ بالخير الوفير، حيث ينبغي استثمار إقبال الكتاب على هذا الجنس الأدبي بالشكل المتقن. فما تعمله بعض المؤسسات من إصدارات عشوائية تخطو في اتجاه هدفها، وكأن المطلوب هو الإصدار فقط وليس المحتوى، فلم لا يستأثر مشروع النشر بالطرح المتقن عبر مجموعات قصصية سنوية مشتركة؟ في أميركا مثلاً هناك إصدار سنوي جامع لكافة كتاب القصة، يطرح ما هو جميل ونوعي بالمسار القصصي. فمنه تبرز الصفوة ولا تندثر البقية بل تبدأ طرحها من جديد، متجددة في معالمها وتجاربها. إذن، الإصدارات العشوائية لا تنتج أدباً قصصياً يمنحنا الاطمئنان على حالة القص الإماراتي، فالعمل الخالص للثقافة لم يكن بالجمع والطرح من خلال سلة واحدة، وليس الإنتاج الثقافي مقترناً بالتباهي ما بين المؤسسات الثقافية، إنما بالتحديث النوعي الجازم على العمل الرصين. وهذا لا يأتي بالانفراد وإنما بالتعاون مع المختص كل في إبداعه، أما نادي القصة باتحاد الكتاب فهو بيت للخبرة قادر على بلورة الطالع الجديد.